الدكتور رضوان غنيمي ..توديع عام واستقبال عام جديد ..دعوة مباشرة للوقوف مع الذات

المنبر المغربية : بقلم الدكتور رضوان غنيمي أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر اكادير

إن لكل أمة محطات تاريخية تؤرخ بها لمجدها وسؤددها، ومحطات مجد هذه الأمة كثيرة يصعب حصرها ويستعصي عدها، ومن هذه المحطات المشرقة الفارقة تلك التي اختارها الفاروق عمر ليجعل منها بداية التأريخ لهذه الأمة في وقت كان السائد عند العرب أن يؤرخوا بالأحداث العظام كحرب البسوس، وداحس والغبراء، وذي قار ، وعام الفيل…حتى إذا كانت سنة 17هـ جمع عمر بن الخطاب صحابة رسول الله لتحديد تأريخ لهذه الأمة يرجعون إليه ويؤرخون وثائقهم به فكان اختياره للهجرة باعتبارها الحدث الأهم في تاريخ المسلمين آنذاك وقد استقبلوا به تاريخا جديدا وواقعا أرحب، ومجالا أوسع لممارسة التدين والدعوة إلى الله تعالى…وكان ذلك في شهر محرم فاختاره لأنه منصرف الناس من حجهم، أما الهجرة النبوية فإنما كانت في شهر ربيع الأول على التحقيق.

نعيش اليوم فرحة استقبال عام هجري جديد، شهر محرم الذي حرّم الله تعالى فيه القتال قال الله تعالى “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ.

أشهرٌ مباركات نهانا الله عز وجل عن ظلم أنفسنا فيها، وظلم النفس في الحقيقة يتحقق بظلم الغير وإن كان الأصل أن الظلم محرم شرعا ومرفوض وضعا في الأشهر الحرم وفي غيرها، لكن يزداد قبحه في هذه الأشهر كما أن الطاعات يزداد أجرها في هذه الأشهر التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ: السَّنةُ اثْنَا عَشَر شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم: ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقعْدة، وَذو الْحجَّةِ، والْمُحرَّمُ، وَرجُب مُضَر الَّذِي بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ”.

بالأمس ودعنا عاما مضى ومعه من فقدناهم ممن اختارهم الله عز وجل لجواره سواء ممن قضوا نحبهم بجائحة كوفيد 19 أو بغيرها لأنه قد تتعدد الأسباب والموت واحد ونستقبل اليوم عاما جديدا بآمال عريضة وصدق يقين في أن الغد سيكون أفضل بحول الله تيمنا بفضائل شهر محرم الذي نصر فيه الله عز وجل عبده موسى على فرعون، مرحلة انتقالنا من عام مضى إلى عام قابل هي في الحقيقة وقت مستقطع، ودعوة مباشرة لنا باعتبار آحادنا للوقوف مع الذات ومحاسبتها، أما آن الأوان للعودة والإياب؟ أليس العام المنصرم بعضُك قد ذهب وانقضى؟ ترى هل بالإمكان استرجاعه؟ أم أنه مخلوق قد مات وإذا ذهب لا يعود إلى يوم القيامة؟ غريب أمرنا نحن الإنسان في طول سباتنا وإن أيقظ بعضنا بعضا، نودع عاما بآلامه ومآسيه، ونستقبل آخر بآلام تفوق سابقه والغريب أن أمرنا بيدنا وكأنه ليس فينا رجل رشيد، إن الله عز وجل وإن كان حرم الظلم في الأشهر الحرم فإننا بتصلب مواقفنا ورعونة اختياراتنا نظلم أنفسنا وغيرنا من حيث لا نشعر، أعجز الناس –المغاربة – حقيقة عن الالتزام بالنظافة والتباعد ووضع الكمامات؟، أليس من العار أن ترتفع أصوات الأطباء والعلماء والخبراء و… لتدعوا الناس إلى غسل أيديهم ووضع كماماتهم والتباعد فيما بينهم؟، هل يتطلب الأمر بالفعل أن يخاطبنا أمير المؤمنين ملك البلاد في يوم عيد وطني الأصل فيه أن نتذكر أمجاد أجدادنا وبطولات ملوكنا ليدعونا بشكل مباشر إلى وضع الكمامات؟ أليس لنا فيمن قضى في هذا الوباء عبرة؟

إن قداسة الزمان والمكان في ديننا ثابتة مستمرة لن تتغير ولن تتبدل، لكننا للأسف لم نفهمها وفي أحسن أحوالنا أسأنا فهمها، نعم كلنا فرح بعام جديد مستبشر بموسم طاعة جديد، لكن حقيقة الطاعة الآن تكمن في كف الأذى عن الناس، بل وعدم تعريض النفس لهذا الأذى إن الزمن لن يموت ولن يتأثر بجائحة كورونا، لكننا نحن من سيذهب نحن من سيجني ويلات الاستهتار والتهاون واللامبالاة..




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 3 = 3