الدكتور رضوان غنيمي : التعليم عن بعد يبقى هو الحل الأنسب بغض النظر عن نقائصه وسلبياته

المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر اكادير ..

في خضم تسارع الأحداث وما يعقبها من قرارات تابعنا قرار وزارة التربية الوطنية الذي طالما انتظره الناس ليكشف لهم عن صيغة التعليم المعتمدة في ظل التطور الخطير لتداعيات جائحة كوفيد 19 . فلما صدر تلقفه الناس ورفّعوا في شأنه وخفّضوا، صحيح أن الموقف لم يكن سهلا حتى على الوزارة لاتخاذ قرار واضح صريح، لكن المصلحة العليا للبلد تقتضي الجرأة والشجاعة في لتدبير الأزمة، ليس الوضع الآن مناسبا لمسك العصى من الوسط كما تحاول وزارة التربية الوطنية أن تقرر من خلال قرارها الضبابي الذي جعل الناس في حيرة كبيرة،فإذا كان الوباء يشكل خطرا على التلاميذ ومدرسيهم وآبائهم وهو كذلك بالفعل فالتعليم عن بعد يبقى هو الحل بغض النظر عن نقائصه وسلبياته لأن الُمرجح هنا قوي وهو حفظ المهج والأرواح، وسد باب عظيم على الوباء الذي لو فتح لعصف بالبلد ماديا وبشريا، وإما أن الوزارة تمتلك من المؤهلات والمقومات والإجراءات ما يجعلها تضمن للناس سلامة أبنائهم، وتضمن للأسرة التربوية سلامة أرواحهم فهو اختيار ينبغي تحمل المسؤولية فيه، أما أن يخير الناس بين أمرين أحلاهما مر فلا أظن أن المرحلة الراهنة تتحمل هذا النوع من تقاذف المسؤوليات ومحاولة التملص من تبعات الاختيارات التي قد تكون مبنية على اعتبارات خاطئة لن نستطيع تحمل تبعاتها، ومراعاة مصالح قطاع التعليم الخصوصي حاضرة بقوة في القرار وليس عيبا،ولا جريرة تؤاخذ بها الوزارة على كل حال لأنها مسؤولة عن القطاعين معا، لكن هذه المقاربة التي نهجتها وزارة التربية الوطنية في محاولة مراعاة مصالح القطاع الخاص لن يضيف شيئا للساحة التربوية إلا المزيد من التوتر بين آباء وأولياء التلاميذ من جهة وأرباب قطاع التعليم الخصوصي الذي نتفهم تضرره من تبعات الجائحة وتداعيات قرار التعليم عن بعد، لأجل ذلك كان الأولى البحث عن صيغة توافقية أخرى غير الزج بالتلاميذ وأولياء أمورهم في مثل هذه المعارك التي يبقى المتعلم الخاسر الأكبر فيها، إن العلاقة بين التعليم الخصوصي وآباء وأولياء التلاميذ لا يزال لم يخرج من نفق الصراع الذي أحدثه قرار الحجر الصحي الأخير للموسم الدراسي الماضي، وقرار مماثل لن يزيد سوى تسعير وتأجيج هذا الصراع بين الطرفين، إن التعليم الخصوصي الذي رعيناه صغيرا فتيا وتهافتنا عليه وهرولنا إليه بل وتسابقنا في الانتساب إليه هو الذي تغول الآن وأصبح يستنزف ميزانيات الأسر التي لطالما نادت بحياة التعليم الخاص وموت المدرسة العمومية، ومن حيث لا يشعر الناس ساهموا بنسب كبيرة جدا في تهميش المدرسة العمومية وتبخيس حقها والتقليل من شانها فكانت النتيجة الطبيعية أن صنعنا هذا الأخطبوط الذي انتشر كالفطر، والغريب أن الأصوات لا تكف تتوقف عن لوم وعتاب هذه المدارس وإظهار عوارها لكن في نفس الوقت تتهافت على منتجاتها، لست هنا في معرض تقييم قطاع معين وإنما هي صورة ينبغي تجليتها لنعلم حالة الانفصام الذي نعيشه وأننا في حاجة إلى فهم ذواتنا والتصالح معها لنستطيع اتخاذ قراراتنا بكل شجاعة وجرأة ووطنية، وإذا كنا نعيب على وزارة التربية الوطنية عدم قدرتها على اتخاذ قرار واضح في شان خطوة مصيرية لها ارتباط بأمن وسلامة البلد وأهله فإن الكثير منا عاجز عن اتخاذ قرار خاص به في مدى رغبته في أن يتابع أولاده تعليمهم في المدرسة العمومية أو ييمم وجهه جهة القطاع الخاص مرتميا في أحضانه، كل هذا الكلام وهذه الاعتبارات لا تنهض دليلا مقنعا لنجد أنفسنا أمام هذا التذبذب و التردد في اتخاذ قرار ترسيم الدراسة عن بعد تماشيا مع تطور الحالة الوبائية التي عبر عنها أمير المؤمنين صراحة وبشكل قوي في خطاب تاريخي ستذكره الأجيال القادمة، وما أخال وزارة التربية الوطنية مستعدة لتحمل تبعات وتداعيات قرار التخيير الذي وضعته بين أيدي الآباء في حالة تفشي البؤر الوبائية و ظهور انتكاسة وبائية جراء هذا الاختيار وإن كنت شخصيا أستبعد أن يوجد بين المغاربة من يهون عليه أمر فلذة كبده ليختار له التعليم الحضوري في وقت يحذرنا فيه أمير المؤمنين –حفظه الله- من خطورة اضطرارنا للعودة للحجر الصحي بصيغة أشد من سابقتها، أم القطاع الخاص فلا نشك في وطنيته وأنه قطاع مواطن، وإذا كان هذا القطاع قد قام على أساس الربح المادي كغيره من القطاعات الأخرى فإن ذلك ليس نقيصة يُعيّر بها ولن تكون مانعا من انخراطه في تقديم المصلحة العليا للوطن في وقت يحتاج الوطن إلى تضحيات المخلصين الشرفاء من أبنائه لأن الشدائد تظهر معادن الرجال والتاريخ لا ينسى.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


60 − 51 =