الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة ..
لا يخالف منصف متتبع للشأن الوطني -منذ طرق وباء كورونا كوفيد 19 أبواب المغرب- أن الدولة بجميع مكوناته واكبت الأحداث وكانت في مستواها بل سبقتها، فكانت تلك الخطوات الاستباقية ترسا واقيا من الضربات الموجعة لهذا الفيروس القاتل الذي يتقدم في صمت، فكانت المبادرة الملكية ثم حضرت المواكبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفقهية والتشريعية القانونية.. وفي الوقت الذي كنا نراهن فيه على رقي مستوى عموم المغاربة في إنجاح هذه الخطوات الاستباقية المتمثلة في الحجر الصحي التي جعلتنا في مأمن جزئي إلى حين، بدأنا في الأيام القليلة الأخيرة نشهد نوعا من التراخي والاستهتار في التعاطي مع الخطر المحدق بنا من خلال انزلاقات خطيرة وتصرفات غير مسؤولة لبعض الناس بشكل يبعث على الخوف، وكنت قد استغربت من آخر إحصائيات الإصابات المسجلة يوم أمس متسائلا كيف يحصل هذا والناس ملتزمون بتعليمات الجهات المختصة، سواء على المستوى التوعوي من الجانب الصحي أو على المستوى التحذيري من خرق الحجر الصحي من الجانب الأمني؟، إلى أن صدمت بحقيقة رأيتها رأي العين،في بعض الشوارع والأسواق والمحلات الكبرى في عمالتي عين السبع وسيدي البرنوصي، وليس من رأى كمن سمع، رغم استمرار المواكبة اليومية لرجال السلطة الذين لا يسعهم تغطية جميع الأزقة والشوارع.
لا أبالغ إذا قلت بأن عواقب هذا الاستهتار واللامبالاة من قبل بعض الناس سندفع ثمنا له أرواحا جديدة نسوقها إلى الموت دون جريرة اقترفتها إلا تصرفات رعناء من أشباه أناس استرخصوا أرواحهم وأنفسهم إما جهلا وإما تعنتا وهو أيضا من الجهل.
في الحقيقة أجد صعوبة في تفسير عدم انضباط الناس لما يحفظ أرواحهم و يبقيهم في مأمن من الوباء أتساءل معكم هل بلغ بنا الشر والجهل إلى أن نتسبب بقتل أنفسنا وقتل أبنائنا مقابل شهوة بطن، في الوقت الذي كنا نراهن فيه على هذا الوضع الاستثنائي الموبوء ليرشّد استهلاكنا في شهر الطاعات نفاجئ بفوضى عارمة في الأسواق ومحلات العطارة والبقالة وغيرها، صدمت وأنا أتابع تغطية إعلامية لمحلات –درب عمر- والتجار يقولون أن حركة البيع والشراء رائجة أكثر من المعتاد.
إن عملية الهدم سهلة يسيرة، وإن استهتار الناس وعدم انضباطهم هو هدم عشوائي لكل خطوة استباقية قامت بها الدولة بكل أجهزتها.
إن موت طبيب وهو يحاول علاج مريض أصيب بهذا الوباء يمثل لعنة ستلاحق من عدم الضمير وسولت له نفسه التلاعب بصحة وسلامة الناس، إن من قواعد الفقه الإسلامي أن المتسبب كالمباشر، وعليه ينبغي أن يعلم كل خارق للحجر متنقل بين الناس أنه قاتل، قاتل لغيره بتنقله وحركيته غير المنضبطة، قاتل لغيره بنقل الوباء من شخص إلى غيره، وإذا كان قد غلبنا على نفسه فليفعل بها ما شاء، ولْيُعدّ لذلك جوابا يوم القيامة، لكن أن يروّع الآمنين فلا. لأن من دلائل واقعية وربانية هذا الدين أنه جمع بين إثبات الحقوق والمطالبة بالواجبات، فأقر الحقوق كاملة غير منقوصة ودافع عنها، وعاقب من حال بينها وبين أصحابها، إلا أنه في كل ذلك ربط المطالبة بها بأداء الواجب، لتتكامل بذلك العلاقة بين الحق والواجب، فالواجب اليوم هو التزام مقتضيات الحجر الصحي باعتباره الإجراء الأوحد للحد من انتشار الموت وإذا كان ملك البلاد حفظه الله قد آثر حفظ الأبدان وصون الأرواح على الأموال فإنه من غير المقبول ولا المعقول أن نقبل بيننا بمن يتلاعب بأرواحنا وأرواح أبنائنا وآبائنا إما جهلا منه أو رعونة أو تعنتا.
يحزنني أن أقول لكل صوت يصدح بالنصح، لكل عين ساهرة على أمننا تجوب الأزقة والشوارع تحمل الناس على لزوم بيوتهم، لكل مغربي حر شريف لزم بيته وحضن أبناءه، لكل غيور على هذا البلد ممن فقه أنه قطب الرحى وأنه حلقة أساسية في سكة قطار النجاة من هذا الوباء
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لاحياة لمن تنادي.


قم بكتابة اول تعليق