المنبر المغربية :
على غير العادة و دون طول تفكير، ولا خبرة مسبقة بالجانب التقني في عالم الكرة المستديرة أطارحك أيها القارئ الكريم ما اختلج الصدر واعتمل في الفؤاد، لا أبتغي معاتبة ولا أقصد التباكي حسرة، وإنما هو شعور أسى انتابني وأنا الذي لا أَُُعرف من نفسي تعلقا بكرة القدم، فقلت في نفسي كيف يكون حال غيري من أناس يعشقون كرة القدم؟ بل منهم من يتنفسها عشقا وولعا وتعلقا، كيف يكون شعور شعب سرقت منه الفرحة والابتهاج بخبث، وحقد، وحسد، من طرف قارة ناكرة جحود؟
بعد أن أسدل الستار على فعاليات هذه التظاهرة المتميزة وهذه النسخة الفريدة المتميزة ذات الأولية في كل شيء، النسخة التي شرُف المغرب بتنظيمها وشرّف بها قارة إفريقيا أمام العالم بشكل لم تعهده إفريقيا من نفسها ولم يعهده باقي العالم عنها، ولكن أكثر الناس لا يشكرون، ولكن أهل إفريقيا لا يفهمون، ولكن باقي شمال إفريقيا بالفضل لأهل الفضل لا يعترفون، فكان حال المغرب وأهله مع باقي إفريقيا ممن خرجوا محتفلين بما اعتقدوه انهزاما للمغرب كحال مجير أم عامر.
ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
ونحن قد آوينا عندنا وبيننا من هم أشد لؤما وأقبح نفسا فكان أقلهم شرا من سكت ألفا ونطق خلفا.
نعم أراد المغرب لإفريقيا العزة والمكانة الرفيعة، أراد لها أن تظهر بغير عارها الهمجي الذي طالما رافقها وكان على الدوام عنوانا لها، ولكن للأسف من أَلِفَ المستنقعات واعتاد البرك الآسنة تؤديه الفنادق الفاخرة، ومن ترعرع في الأدغال و البراري تؤرقه الأسرّة و الزرابي، وحُقّ له أن يشكو لأننا بالغنا في إكرامه ونسينا قول المتنبي: وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا.
نعم هكذا امتد أثر لعبة كرة القدم من رقعة ملعبها لتصبح مجالات الحياة كاملة ملعبا لها، فتجاوزت كونها لعبة إلى أن رأيناها رأي العين وقد أصبحت كيرا في أيدي النافخين ينفثون من خلاله سمومهم و أحقادهم و غلّهم في وجه بلد أحسن استقبالهم وأكرم وفادتهم وبالغ في تقديرهم، وهو في كل ذلك يتحمل الطعنات المتتالية المتكررة و المتنوعة بمحاولة النيل من كرامة المغاربة وشرفهم ونزاهتهم، ولربما تطاول بعض السفهاء على رموز هذه المملكة، وكل ذلك دالّ على أن الأمر تجاوز كونه لعبة رياضية تقتضي بطبيعتها الانتصار أو الانهزام على أن أيامهما دول بين أفرادها.
لقد استطاع الإعلام العفن أصالة للحاقدين على المغرب وتبعه ذو الوجهين من إعلام القطيع بعد أن شاهدوا برؤوس أعينهم ما حققه هذا البلد من إنجازات على مختلف الأصعدة أن يخلق صورة مضللة بلغ أثرها وتأثيرها إلى بقية أعضاء مستنقع الحقد والكراهية لكل ما هو جميل فوافق ذلك في أنفسهم رغبة لطالما كُتمت مفادها: هل نترك المغرب ليتربع على عرش إفريقيا؟ أينطلق المغرب متقدما ويتركنا في ذيل إفريقيا؟ فتحركت الأقلام الحاقدة، والأبواق الناعقة تخبط خبط عشواء ساعية إلى إطفاء توهج هذا الحدث الرياضي الذي نظمه المغرب فأبدع فيه، وبالموازاة توهج الفريق المغربي بانتصاراته المتتالية، وكلما ازداد التألق ازدادت خبايا النفوس تطفو على السطح، وازدادت أقنعة النفاق تتهاوى وفي كل ذلك يؤكد المغاربة على نبل أصلهم، وترفعهم عن مقارعة السفهاء بسفههم، وفي كل ذلك نتساءل ماذا ربح الحاقدون بخسارة المنتخب المغربي؟ وفي المقابل ماذا ربحنا نحن من خسارة المنتخب المغربي؟ ظن الحاقدون أن النيل من شموخ وطن كالمغرب سهل المنال لكن هيهات هيهات، إنه المغرب بلد الحكماء والعقلاء الذين يجعلون من المحنة منحة، وما أخال الشاعر إلا يقصدهم حينما قال:
وظننتني شخصا يستهان به لا والذي جعل الكرامة في دمي
أنا لا أُُذل ولا أُهان ولا أنحني أنا كالشمس أعميك ولا أنعمي
فأما عن ربحنا نحن المغاربة من خسارة النهائي أن كسبنا أنفسنا، جددنا الصلة بوحدتنا، نبهنا الحاقدون إلى أهمية تثمين منجزاتنا وحصيلة ما حققه المغرب وراكمه على مختلف المجالات، سعى الحاقدون إلى خرق لحمة لا سبيل لخرقها بين شعب ناضج وقيادة حكيمة ومنتخب مواطن، في كل ذلك تسترشد هذه المكونات بما يضمن وحدتها ويقوي صفّها فيجعلها تفخر بخصوصياتها الدينية والوطنية.
إن لحظة اغرورقت فيها أعين المغاربة ألما وحزنا أن اغتُصبت منهم فرحة كانوا أحق بها وأهلها، لحظة ينبغي توثيقها حتى لا تنسى لتكون دافعا قويا للبناء والشموخ، علينا أن نتعلم ألا نُخدع بالشعارات التي تحمل السم في الدسم، ما صدر عن المنتخب الخصم إدارة ولاعبين لا ينسجم البتة وقيم التربية الصوفية الراقية التي حاول أن يروج لها قبل اللقاء، وإلا فعبادة لا يظهر أثرها في السلوك والمواقف حري بصاحبها أن يعيد نظره فيها.
شكرا للمنتخب الوطني على الفرحة التي منحتم للمغاربة على مدى أيام البطولة.
شكرا للناخب الوطني على مواكبته وتحمله ضغط القريب والبعيد
شكرا للجامعة الملكية لكرة القدم وعلى رأسها السيد فوزي لقجع على المظهر المشرف الذي أظهرتم به المغرب على مستوى التنظيم الخرافي الذي فاق سقف توقعات إفريقيا فما استطاعت فهمه ولا استيعابه فعادتْه كما هي عادة الإنسان مع ما يجهل لأن من جهل شيئا عاداه، وجيراننا في إفريقيا لا قِبل لهم بما رأوه وعاشوه مدة إقامتهم بيننا فمنهم استطاع استيعاب صدمة التنظيم الخرافي الذي ما عدوه من قبل، ومنهم من طاش عقله وفقد بوصلة الموضوعية فكان حاله كالعبد الذي أشرف على الهلاك بضياع راحلته فلما ردها الله عليه قال: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك”.
شكرا للمغاربة على ما أظهروه من رقي في التعامل مع سقط الناس.
شكرا لمناسبة كأس إفريقيا للأمم فقد عرفنا موقعنا من الناس.


قم بكتابة اول تعليق