بين الانحلال و الفوضى .. الشارع المغربي أمام اختبار القيم 

جريدة المنبر المغربية : بقلم الدكتور رضوان غنيمي .. أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات بتارودانت

في خضم التلوث العام الذي أصبحنا نعيش في معتركه اضطرارا لا اختيارا، سمعيا و بصريا… طالعتنا على صفحات الفضاء الافتراضي -الواقعي-صورة مؤلمة مفزعة لمسنّ تقاربت خطواته وانحنى ظهره، وضعف بصره، فاستعان بعكازه على قضاء مآربه التي لا تجاوز حاجته إلى الوصول إلى أقرب مسجد، يمشي الهوينا مسترجعا بذاكرته ما كان بالأمس من ذكريات يسرّ بعضها، ويبعث بعضها الآخر على الندم أو الحسرة، لا يريد من دنيانا سوى لحظة هدوء ينعم بها، أو يد خلوق تمتد إليه عارضة العون والمدد، ليفاجئ ونحن معه بيد غادرة لنذل آثم  لا يقيم لكِبر السن وزنا طامعا في محتوى كيس يتأبّطه ذاك الجد سائرا إلى بيته أو مصلاّه، كيس لربما حوى آثار ضعف الكِبر (دواء سكر أو دواء ضغط…)

هذه الصورة البشعة المخزية التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتخبر العالم أننا قوم همج، لتعلن للعالمين أننا أبعد ما نكون عن حقيقة الإنسانية، صورة تصدح في الأجناس قاطبة أننا استطعنا بكل فخر أن نميت الآدمية في قلوبنا، وأننا بكل اعتزاز لا نقلّ حيوانية عن العجماوات، صورة ومشهد يختزلان واقعا مؤلمًا تتجاوز قسوته مجرد سرقة حقيبة؛ لتجسد لنا صورة من صور الاعتداء على الضعف الإنساني، صورة تسحق آخر ما تبقى (أو كنا نمني النفس أنه باق) في المجتمع من معاني الشهامة والرحمة والحياء وإجلال الكبير.

أيها العاقلون، أيها الأحياء، يا أصحاب الضمائر الحية، يا من بهم بقية باقية من أصل أصيل، كيف آل الأمر بنا إلى هذا المستنقع العفن؟ أماتت المروءة في الناس؟ أن يُستهدف شيخٌ جدّ، أب، طاعن في السن، يمشي على ثلاث، لا يملك من القوة ما يدفع به الأذى عن نفسه، فتلك والله القاصمة، ما وقع يكشف حقيقة الانحدار الأخلاقي الذي بلغه بعض من يحسب على الناس، أما خطر ببال هذا السارق الغاصب أنه صائر إلى ما صار إليه هذا الشيخ المسروق؟ أما علم أن لعنات من الله والملائكة والناس أجمعين تلاحقه؟ أي شيء أبشع من استغلال عجز العاجز؟ إن السرقة وإن كانت جريمة بشعة في  ذاتها، فإنها حين تقترن باستغلال عجز وضعف كبار السن تصبح أكثر بشاعة؛ لأنها لا تقف عند مجرد سلب مال فحسب، بل تتعداه لتسلب الإحساس بالأمان والاطمئنان… إن حقيقة ما يُفترض أن يلقاه العاجز والضعيف والشيخ الكبير في مجتمعه هو العون والاحترام والتقدير والرعاية…، أما أن يتحول إلى هدف سهل  لمن تجرد من المروءة والرحمة بل والآدمية، فهذه وصمة عار في جبين المجتمع لا يمحوها الدهر. ما أقبح أن يستشعر العاجز والشيخ أن ضعفه وشيخوخته أصبح بابا يُعتدى عليه من خلاله، إن ما وقع يسائلنا جميعا عن حقيقة قيمنا الإسلامية الداعية إلى: حماية الضعيف وإحياء معنى المروءة، واحترام الكبير والتربية على مراقبة الله قبل مراقبة القانون، باعتبارها معيارًا حقيقيًا لتحضّر الأمم والمجتمعات

 




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 9 = 1