مراكش – بقلم الأستاذ محمد اوسامة
في خطوة تنموية تروم إعادة الاعتبار للمجالات الترابية الشبه قروية المتاخمة للقطب السياحي لمراكش، جرى رسميا إعداد اتفاقية شراكة لمشروع تمويل وإنجاز “برنامج التأهيل والتنمية المندمجة لمركز جماعة أكفاي” (عمالة مراكش)، بغلاف مالي إجمالي يصل إلى 55.40 مليون درهم، يمتد تنفيذه خلال الفترة بين 2026 و2028.
وتستهدف هذه الاتفاقية تحسين ظروف عيش ما يقارب 5000 نسمة، ورأب الفجوة المجالية بين مراكش العاصمة والوسط القروي المحيط بها، عبر حزمة من المشاريع الهيكلية والخدماتية.
شراكة مؤسساتية وتوزيع دقيق للمسؤوليات المالية
تجمع هذه الاتفاقية مجموعة من الفاعلين المؤسساتيين والقطاعات الحكومية والترابية، تجسيدا لالتزام مشترك بين القطاعات. وتشمل قائمة الشركاء: وزارة الداخلية، وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ولاية جهة مراكش آسفي، مجلس جهة مراكش آسفي، مجلس عمالة مراكش، جماعة أكفاي، إلى جانب الشركة الجهوية متعددة الخدمات لجهة مراكش آسفي، شركة العمران، ووكالة الحوض المائي لتانسيفت.
وعلى صعيد التمويل، تتوزع المساهمات المالية للبرنامج كالتالي:
وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة: 25.50 مليون درهم.
وزارة الداخلية: 25.70 مليون درهم.
مجلس عمالة مراكش: 4.20 ملايين درهم.
كما ينخرط مجلس جهة مراكش آسفي كشريك أساسي عبر المساهمة في تمويل مشروع التطهير السائل الخاص بـ “حي رجال أحمر” بمركز الجماعة بغلاف مالي قدره 2.58 مليون درهم، مع مواكبة التنفيذ عبر الشركة الجهوية متعددة الخدمات لتسريع وتيرة الإنجاز.
وتولت مهمة الإشراف والتتبع لجنة إقليمية يرأسها والي جهة مراكش آسفي/عامل عمالة مراكش، إضافة إلى لجنة مركزية للتتبع لضمان الالتزام الدقيق بآليات التمويل وصرف الاعتمادات وإنجاز الأشغال.
إن هذه الخطوات العمرانية تُحْمَدُ لمدبريها، غير أن استحضار التوجيهات الملكية السامية لـجلالة الملك محمد السادس يفرض علينا الوقوف عند جوهر التنمية الحقيقية. ففي أزمنة ومناسبات وطنية متوالية، يشدد جلالته دوما على أن: «الغاية من كل المبادرات والمشاريع التنموية ليست هي تشييد البنايات أو رصف الطرقات في حد ذاتها، بل الهدف الأسمى هو بناء الإنسان وتوفير كرامته وضمان العدالة الاجتماعية والمجالية».
فأي معنى تشيد الطرقات في مجال ترابي يبعد بـ 17 كيلومترا فقط عن القطب الحضري “المحاميد” بمراكش، بينما يقف العرض التربوي فيه مشلولا وعاجزا عن تأمين أبسط حقوق أبنائه في تعلم ذي جودة؟ إنها المفارقة الصارخة التي تجعل الفارق بين القروي والحضري مسافة ضوئية يكتوي بنارها الناشئة نساء ورجالا.
إن الوضع التعليمي بجماعة أكفاي لم يعد يحتمل جمل المجاملة، بل يستوجب صرخة نضالية حرة تصل إلى أروقة ومكاتب المسؤولين لعلها تهز الضمائر وتستنهض الهمم.
هل يعقل أن تختزل جماعة بأكملها في مؤسسة تعليمية واحدة يتيمة، تحشر فيها أسلاك الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي جنبا إلى جنب؟ كيف يسوغ مدبرو القطاع أن يصل عدد التلاميذ داخل الحجرة الدراسية الواحدة إلى أزيد من 53 تلميذا؟ إن إجلاس 53 تلميذا في حجرة ضيقة ليس دليلا على الاستيعاب، بل هو إجهاض معلن للمدرسة العمومية وقتل مع سبق الإصرار لفرص التحصيل والتربية اللائقة.
في قلب هذه الظروف القاسية، يقف نساء ورجال التعليم في خط المواجهة الأول، يجسدون أسمى معاني المواطنة الصادقة؛ هؤلاء الأطر الذين يرابطون داخل حجرات دراسية مكتظة، يستهلكون من أعصابهم وصحتهم اليومية ليضيئوا عقول أبناء المنطقة، ويشكلون بجهدهم الخالص الدرع الحقيقي لمنع انهيار المنظومة التربوية.
إن ما يقدمه الأساتذة هنا يتجاوز حدود “الواجب الوظيفي” الاعتيادي؛ إنه موقف وطني نبيل وتضحية يومية تستحق كل التبجيل والإشادة. غير أن واقع المعاناة الميدانية التي يعيشونها—تحت ضغط الاكتظاظ وقسوة بيئة العمل—يفرض على الجميع وقفة تأمل وإنصاف؛ إذ لا يمكن استدامة هذا العطاء دون التفاتة حقيقية تصان فيها كرامة الأستاذ وتوفر له شروط العمل اللائقة.
إننا نضع المسؤولين والقائمين على الشأن العام بجهة مراكش آسفي أمام مسؤولياتهم التاريخية والترابية؛ إن الاستثمار في “الأحجار والخرسانات” دون اعتبار لـ “الإنسان” باعتباره حجر الزاوية والهدف والوسيلة، هو إعادة إنتاج للفشل ومفاضلة غير متكافئة بالمرة.
إن منطقة أكفاي لا تحتاج فقط إلى الإنارة وتبليط الأزقة، بل تحتاج بالدرجة الأولى والقصوى إلى صناعة إنسان واعي عبر مدخل إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية؛ بإنشاء مؤسسات تعليمية جديدة تفك الخناق عن الحجرات المكتظة، وتوفير بيئة تربوية تحفظ لكرامة الأستاذ قدرها، وللتلميذ حقه في التعلم اللائق.


قم بكتابة اول تعليق