المنبر المغربية :
تعيش فرنسا، خلال الفترة الأخيرة، على وقع احتجاجات وتوترات اجتماعية أعادت إلى الواجهة النقاش حول طريقة تعامل السلطات الفرنسية مع المظاهرات والاحتجاجات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بفئات شابة وقاصرين، في مشاهد أثارت انتقادات وتساؤلات حول مدى احترام مبدأ التناسب في استخدام القوة، وضمان حقوق المحتجين في التعبير والاحتجاج السلمي.
وتُظهر التطورات التي رافقت بعض الاحتجاجات الفرنسية أن تدبير الأزمات الاجتماعية لا يمكن أن يقوم فقط على المقاربة الأمنية، مهما كانت مبرراتها، بل يحتاج أيضاً إلى الإنصات إلى المطالب الاجتماعية، وفتح قنوات الحوار، والحرص على أن يكون تدخل أجهزة إنفاذ القانون متناسباً مع طبيعة الوضع، خصوصاً عندما يكون بين المحتجين قاصرون.
وفي هذا السياق، تبدو فرنسا مطالبة، قبل تقديم الدروس للآخرين أو الانشغال بالشؤون الداخلية للدول، بأن تلتفت بشكل أكبر إلى التحديات التي تواجهها داخل حدودها، وأن تعمل على معالجة ملفاتها الاجتماعية والأمنية والاقتصادية وفق مقاربة تحفظ الاستقرار وتصون في الوقت نفسه الحقوق والحريات.
ومن هذا المنطلق، فإن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية يظل مبدأ أساسياً في العلاقات الدولية، كما أن تقييم التجارب الأمنية للدول ينبغي أن يتم بموضوعية، بعيداً عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير.
الأمن المغربي.. الاحترافية والانضباط في تدبير الاحتجاجات
وفي المقابل، يبرز النموذج المغربي في تدبير عدد من الاحتجاجات والتجمعات العامة باعتباره تجربة تقوم، في العديد من الحالات، على الجمع بين الحفاظ على النظام العام واحترام الحقوق والحريات، مع اعتماد التدرج في التدخل والتعامل مع مختلف الوضعيات وفق ما تقتضيه الظروف الميدانية.
وقد أبانت الأجهزة الأمنية والسلطات المغربية، في مناسبات مختلفة، عن مستوى من الجاهزية والانضباط والاحترافية في تأمين الفضاءات العمومية وتدبير التجمعات، مع الحرص على تفادي التصعيد متى كان ذلك ممكناً، والتعامل مع المحتجين وفق الضوابط القانونية.
إن المقارنة بين التجارب الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى منافسة سياسية، وإنما يجب أن تكون مناسبة لتقييم الممارسات على أساس واضح: حماية المواطنين، صيانة النظام العام، واحترام الحقوق والحريات في آن واحد.
وبالتالي، فإن فرنسا، باعتبارها دولة لها تاريخ طويل في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، مدعوة إلى النظر أيضاً في مرآة واقعها الداخلي، والاستماع إلى الانتقادات التي ترافق تدبيرها للاحتجاجات، بدل الاكتفاء بتوجيه الملاحظات إلى تجارب دول أخرى.
فاحترام حقوق الإنسان ليس مبدأً يُطبق انتقائياً، ولا معياراً يُرفع في وجه الآخرين فقط، بل هو التزام كوني يفترض أن يكون حاضراً في كل مكان، وفي كل الظروف، وبالمعيار نفسه.






قم بكتابة اول تعليق