الدكتور رضوان غنيمي : وأنت تتابع أخبار العالم ..يجعلك تجزم بأن أقنعة التآخي والترابط ..تتساقط اتباعا أمام اشتداد أزمة كورونا

وأنت تتابع أخبار العالم تسمع من المواقف والأفعال وردود الأفعال ما يجعلك تجزم بأن الشيء الكثير من إنسانية الناس قد نحتتها وعرّتها أزمة كورونا، أقنعة التآخي والترابط بل والإنسانية تتساقط تباعا أمام اشتداد أزمة كورونا، وقد كنا نسمع عند أهل بعض البلاد مثلا شائعا كنا نحسبه من موروث رؤوس جهل مُكّن لهم في فترة من فترات الزمن وكنا نربأ بأهل تلك البلاد أن يتبنوا ذلك المثل في معترك حياتهم وفي مواجهة شدائدها، حتى حلت كورونا ضيفا ثقيلا غير مرغوب فيه، فجثمت على الصدور حتى إذا زمجرت من شدة وطأتها نفثت حقيقة لطالما تكتّمت عليها وحاولت مداراتها، فكانت كالذي سكت ألفا ونطق خلفا، فقلت بالفعل -الآن آن للشافعي

أن يمد رجله- ومن هذه الأمثلة المنكرة التي شاعت بين أهل بعض البلاد قولهم “إن جالك الطوفان حط ابنك تحت رجليك وعدّي” قول منكر يصادم الفطرة السليمة ويهدم العلاقات الإنسانية بين أقرب الناس إلى بعضهم ( الآباء والأبناء)

من أغرب ما تناقلته وسائل الإعلام أن أهل بعض البلاد المسلمة خرجوا جماعات في ظل الحجر الصحي الذي فرضه خطر كورونا معبرين عن رفضهم دفن طبيبة ماتت بسبب هذا الوباء اللعين خوفا من أن تنقل إليهم العدوى وهي في الحقيقة شهيدة الواجب ، ماتت دفاعا عنهم، أي جهل مكعب هذا الذي يجعل هؤلاء يتجمعون دون مخافة العدوى المحققة، من أجل التعبير عن خوفهم من عدوى متوهمة من ميت سيدفن ويوارى التراب، وأنت تحاول أن تستفيق من هول هذه الانتكاسة القيمية في علاقات الناس حتى تصدمك انتكاسة أعظم ومصيبة أكبر وأنت تسمع أصواتا تتعالى بضرورة التضحية بالمصابين بكورونا من كبار السن مقابل إنقاذ غيرهم من الشباب، ولسان حال هذه الأصوات يرتفع قائلا عذرا أيها الآباء،عذرا أيها الأجداد عذرا أيها الشيخ أيتها العجوز فلا مقام لكم بيننا بعد اليوم وقد أصبحتم عبئا ثقيلا على ميزانياتنا.

إن بين المأساة الأولى والمصيبة الثانية علة واحدة بينة واضحة منضبطة هي خسة في الأصل ونكران للجميل.

طبيبة ماتت وهي تلبي نداء الواجب تقابل بمثل هذا الموقف المشين الذي لا يليق بالإنسان من حيث هو إنسان فضلا أن يكون مسلما، هل من بعد هذا الفساد للقيم من فساد؟ إنها الأقنعة تتهاوى أمام كورونا.

لقد خلق الله تعالى الخلق واقتضت حكمته أن يحتاج بعضهم إلى بعض في محطات الحياة ودروبها، وقد نُثرت المنافع والمصالح بينهم، وكل واحد يبتغي مصلحته عند الآخر وفقا السنن الكونية، كما اقتضت الطبيعة البشرية أيضا أن يكون من الناس الكريم الذي يطوّقه

المعروف فيشكر أهله، واللئيم الذي إذا أُحسن إليه تمردّ وأنكر وادّعى الاستغناء بالنفس والاستقلال بالذات، لأجل ذلك كان من أبشع مواقف الحياة وأقدعها فُحشا وأكثرها دناءة، أن يقابل الجميل بالنكران، والإحسان باللؤم، نعم نكران الجميل الذي أبانت عنه الشدائد في أخلاق بعض الناس فأخرجتهم من دائرة التكريم الآدمي لترمي بهم في مزابل الطابع الحيواني القائم على كل ماهو مادي.

أن يصدر هذا الخلق الذميم عن غير المسلم فقد نتحدث عن ثقافة، عن بيئة، عن وسط، عن تربية…لكن أن يتلبس به مسلم فإنها لعمري الحالقة كيف لا ورسول الله ﷺ يقول:( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) أفيُشكر من مات لنحيا بأن نرفض أن يدفن كغيره من المسلمين وهو شهيد الواجب؟ مالكم كيف تحكمون؟أما المصيبة الثانية فهي أمرُّ وأدهى وأشدّ وأنكى كيف لا وهي تدعو لتقطيع وتمزيق ما بقي من روابط تجمع الناس وتستحثهم على التنكر لآبائهم في الوقت الذي أولى فيه الإسلام عناية خاصة للضعفاء رحمة بهم مهما كان  سبب ضعفهم بغض النظر عن الصلة بهم، ولعل من مظاهر الضعف كبر السن، بل اعتبر الإسلام إكرام كبير السن من مظاهر إجلال الله تعالى قالَ رسولُ اللَّه ﷺ “إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ

تَعَالَى: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبةِ المُسْلِمِ” بل اعتبرهم الشرع سببا في استجلاب رحمة الله التي لا حدود لها قال النبي ﷺ إنما ترزقون وتُنصرون بضعفائكم وبالتالي تكون هذه الدعوى بمثابة دعوة لقتل النفس، لأن الأصل أن الناس لن يموتوا بوباء كورونا أو غيره وإنما بقدر الله، وهذه الدعوى تصادم حقيقة الإيمان الذي يقوم على التسليم لله، وفيها سوء أدب مع الرب في تحديد من له الحق في الحياة، فضلا عما فيها من نكران الجميل والتنكر للآباء والاجداد، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاثة لا يستخف بحقهن إلا منافق العالم الناصح وكبير السن والحاكم العادل.

لا أدري ما بال الناس اليوم نسوا أصل خلقتهم وأنهم خلقوا من ضعف وأن مآلهم إلى ضعف، وتناسوا شدائدهم، فلم يرحموا ضعيفا، ولم تمتد أيديهم بعون إلى محتاج في وقت أعز ما يطلب فيه مؤازرة الناس للناس.

نحمد الله و نشكره أن هذه الظواهر المشينة، والأخلاق الذميمة ليست من واقعنا، ولا تنتمي إلى مجتمعنا في ظل القيادة الحكيمة لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله ، و قراراته الحكيمة الشجاعة  التي أصبحت موضع إشادة من كبار قادة الدول لما لها من سبق احترازي ووقائي ساهم بشكل مباشر في التقليل من حدة تداعيات كورونا و تضييق نطاق انتشار هذا الوباء العالمي كوفيد 19 ..فضلا عن إشاعة روح التضامن و التكافل بين كل مكونات المجتمع المغربي حيث الكبير يحنو على الصغير والغني يتفقد الفقير والسليم يسند السقيم، ونحن على أبواب شهر الطاعات والمكرمات حيث

كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان فهو أجرى بالخير من الريح المرسلة.

حفظ الله المغرب و حفظ أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس وشعبه الوفي ورفع عنا البلاء وعن العالمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


3 + 5 =