الخطاب الملكي .. “فلسفة السيادة الإيجابية وجدلية الاستقرار والديناميكية”

المنبر المغربية : بقلم الأستاذ محمد اوسامة – مراكش

​تأتي قراءة هذا الخطاب من زاوية تفكيك “أنطولوجيا السلطة” (الوجود السياسي) في الدولة المعاصرة. الخطاب يتجاوز مفهوم “الحكامة الإجرائية” ليقدم مذهبا في الحكم (كما ورد نصا) يتأسس على معالجة ثلاثية: الزمن، والسيادة، والمواطنة.

​1. ميتافيزيقا “الأمانة” والأنطولوجيا السياسية للدولة-الأمة

​”سبع وعشرون سنة… أتحمل أمانة قيادتك… لم أبحث يوما عن مجد شخصي”

​ السلطة هنا ليست غنيمة أو تعبيرا عن التفوق الشخصي، بل هي مهمة أنطولوجية (وجودية). بالاستناد إلى أدبيات إدموند بورك (Edmund Burke) في نقده للثورة الفرنسية وفلسفته للتاريخ، تظهر “الدولة-الأمة” المذكورة في الخطاب كـ عقد بين أجيال الماضين والحاضرين والآتيين.
انه تأكيد على إبعاد “المجد الشخصي” يجرّد الحكم من الأنا السلطوية (Ego-centric power)، ويجعل الملكية ذات بعد وظيفي أخلاقي (Ethical Sovereignty) يمتد عبر التراكمات التاريخية التي تتجاوز “الزمن الحكومي والبرلماني” القصير والضيق.

​2. إبيستمولوجيا الحكم: “المذهب” وعقلانية النقد الذاتي

​”ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة… والنقد الذاتي البناء”

​تجلت فرادة الخطاب في تعريف العمل السياسي كـ “مذهب” (Doctrine) وليس مجرد ردود أفعال.
​ يستحضر هذا الطرح فلسفة كارل بوبر (Karl Popper) في “عقلانية التطوير المفتوح” و”الهندسة الاجتماعية التدريجية”. فالاعتماد على “النقد الذاتي البناء” كركيزة للمذهب يعني أن الحكم ليس نسقاً إيديولوجيا مغلقا يدّعي الكمال، بل هو نظام ديناميكي متكيف يتعلم من أخطائه وتحدياته.
​ يعيد الخطاب تعريف الثقة؛ ليست الثقة نتاج الرضا السكوني أو النرجسية المؤسساتية، بل هي حافز وجودي (Positive Affect) يتولد من التجريب الناجح والتجاوز المستمر للإكراهات.

​3. ثنائية “الاستقرار المتسامي” و”الزمن الفائق” (Hyper-Dynamic Time)

​”يشكل الاستقرار السياسي والمؤسسي عملة نادرة… الاستقرار هو العامل الأساسي في معادلة التنمية”

​في العادة، ينظر إلى الاستقرار في الفلسفة السياسية الكلاسيكية (خاصة لدى محافظي القرن التاسع عشر) كحالة من السكون والحفاظ على الستاتيكو (Status Quo). لكن الخطاب يعيد صياغة مفهوم الاستقرار بطريقة استثنائية فهو ليس نقيض التطور، بل هو الشرط الوجودي (Ontological condition) لتوليد الحركة الصاعدة.
​ فالانتقال من اقتصاد تقليدي إلى دخول “النادي المصغر” لصناعة الطيران، البطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر يمثل قفزة في زمن الدولة. الدولة لا تنتظر التحولات العالمية بل “تستبقها”. ينطبق هذا مع فلسفة نيكلاس لومان (Niklas Luhmann) في نظرية الأنظمة، حيث تتميز الأنظمة السياسية الناجحة بقدرتها على “اختزال التعقيد البيئي” واستباق تغيراته قبل حدوثها.

​4. فلسفة السيادة الحديثة: من “الجغرافيا” إلى “الاستقلال الذاتي الاستراتيجي”

​”جعلنا من تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي محورا للتنمية الصناعية… تغطي ما يقارب 80% من الحاجيات…”

​يمثل المفهوم التقليصي للسيادة السياسية (المفهوم الوستفالي) مجرد الحدود والجغرافيا. لكن الخطاب الملكي يوسع مفهوم السيادة لتصبح سيادة مركبة (Composite Sovereignty): من خلال استحضار ​السيادة التكنولوجية والصناعية: (السيارات، الطيران، الهيدروجين).
و​السيادة الوجودية (الماء، الغذاء، الدواء).
بالإضافة إلى ​السيادة الصلبة والسيبرانية: (الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني).
​هذه الرؤية تتلاقى مع طرح الفيلسوف الإيطالي جورجيو أجامبين (Giorgio Agamben) وفكرة “حالة الاستثناء الداكني”، حيث تضمن الدولة بقاءها وسيادتها قدرتها الذاتية على تلبية احتياجات حيوية في أوقات الأزمات الدولية وعودة الحمائية العالمية.

​5. تجاوز “الزمن السياسي الضيق” واستشراف المستقبل

​”إن المكاسب… تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية”

​ يعاب على الديمقراطيات الانتخابية قصيرة المدى خططها المشلولة بحدود الولاية الانتخابية (4 إلى 5 سنوات) – وهو ما يسمى بـ Short-termism. الخطاب يطرح “المؤسسة الملكية” كحافظة للزمن الممتد (Longue Durée) بتعبير المؤرخ فرناند بروديل (Fernand Braudel).
​ الملكية تشكل صمام الأمان الذي يسمح برسم خطط عابرة للأزمات وللتغيرات الحكومية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الانتخابات التشريعية لإعطاء “دورة جديدة” ونفس تنفيذي جديد دون هدم العمارة الاستراتيجية للدولة.

– ​خلاصة القراءة الفلسفية:

​تقديم الخطاب لـ “المغرب الصاعد” لا يستند إلى أرقام مجردة (4.9% نمو، 20 مليون سائح، 1 مليون سيارة) إلا لكونها أدلة مادية على تحول “الماهية السياسية” للدولة المغربية.​ فالمغزى الاستثنائي، هو أن الخطاب يطرح النموذج المغربي كتركيبة فريدة بين الأصالة التاريخية (الدولة-الأمة ذات الجذور التاريخية) والعصرنة الأداتية الفائقة (الذكاء الصناعي، البطاريات، التكنولوجيا السيبرانية). إنها دولة لا تتصادم مع تراثها لكي تتطور، ولا تنكفئ على ماضيها خوفا من العولمة، بل تستعمل استقرارها التراثي كمحرك لغزو مستقبل سلاسل القيمة العالمية.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 9 = 1