المنبر المغربية تجري حوارا مع كل من الدكتور رضوان غنيمي و الدكتور بال هيك  في موضوع ” تفاعل الأديان السماوية مع الأوبئة

يواجه العالم معركة ضارية ضد خصم عنيد شرس..يحاول فيه قادة الدول و شعوبهم بمختلف أطيافها البحث عن حلول ناجعة للنيل من هذا الوباء الذي فتك بعدد من المواطنين…و في هذا الصدد سارعت العديد من الدول الى إغلاق حدودها  البرية و الجوية و البحرية و علقت مجموعة من المرافق الحيوية و اغلقت أماكن العبادات كالمساجد و الكنائس و غيرها خوفا من انتشار و تفشي الوباء ..

و في هذا السياق و في إطار تفاعل الإنسانية جمعاء مع تداعيات جائحة كورونا كوفيد 19 كثر السؤال عن موقف الدين إزاء انتشار الأوبئة وكيفية معالجة تداعياتها على الناس، فطفت على ساحة الأحداث أسئلة كثيرة منها: إلى أي حد تفاعل الدين مع وباء كورونا؟ ما هو موقف الدين من الأوبئة عموما؟ هل يعتبر كورونا ابتلاء كغيره من صنوف الابتلاءات أم أنه عقاب إلهي للعصاة والمخطئين  ؟

و تفاعلا من المنبر المغربية ، فقد نقلت هذه الاسئلة و غيرها الى أهل الاختصاص ..فأجرت حوارا مع  كل من الدكتور ﭘال هيك المتخصص في الفقه المسيحي من جامعة جورج تاون بالولايات المتحدة الأمريكية، والدكتور رضوان غنيمي أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بكلية العلوم الشرعية بالسمارة جامعة ابن زهر بالمملكة المغربية.

السؤال الأول:من الإشكالات الطارئة التي تعتبر من تداعيات هذا الوباء: الحجر الصحي الذي تطلب إغلاق دور العبادة عبر العالم، نود أن نعرف من فضيلتكم موقف الدين من هذا القرار.

الدكتور رضوان غنيمي:

الابتلاء سنة إلهية ماضية في الخلق تمحيصا لهم، أو تطهيرا، أو رفعا للدرجات، قال تعالى في سورة العنكبوت “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” فتكون الأوبئة وغيرها من المحن نوعا من الابتلاء الرباني تمحيصا للمؤمنين على مستوى صلتهم بربهم ودفعا لهم للانسلاخ عن كل ما يبعدهم عنه بالتضرع والتوسل إليه تعالى، لكن بلغ من تداعيات ابتلاء كورونا أن مُنع الناس من ارتياد المساجد وإقامة الجُمع وصلاة الجماعة مما جعلهم في نوع من الحرج المتوهم لأن جوهر الدين يقضي برفع الحرج والتيسير على الخلق وحفظ الأبدان والأديان التي يعتبر مقصدا ضروريا من مقاصد التشريع الإسلامي، وإذا تعارض حفظ الدين وحفظ النفس قدمنا حفظ النفس لأن بحفظها نحفظ الدين، وفي ضياعها وفواتها ضياع للدين لأن النفس هي التي تقيم لنا الدين، ومنع الجماعة والجمعة فيه حفظ كامل للنفس، وتضييع لجزء من الدين لا كل الدين، خصوصا أن الصلاة والدعاء والتلاوة والذكر كل ذلك قائم مستمر، والجماعة إنما هي مكملة للدين لا كل الدين أما حفظ النفس فمقصد أصلي كلي فيكون الامتناع عن العبادات الجماعية إذن من المأمورات الواجبة شرعا في هذه المرحلة وعدم الالتزام به هو تمرد على الدين.

الدكتور ﭘال هيك

يتزايد قلق الإنسان زمن الوباء وتزداد حاجته لتلبية رغباته الروحية التي يرى فيها طمأنية لنفسه. لذا يسعى الى إثبات التقوى من خلال العبادة، وهو أمر محمود ولا شك. ولكن عددا من المؤمنين في الولايات المتحدة كما في البلدان الأخرى يصرّون على حقهم في الصلاة الجماعية رغم الأمر بإغلاق بيوت العبادة ظناً منهم أن صلاة الجماعة زمن البلاء دليل رضا من الله وتوفيق منه. بعبارة أخرى يصلّون ليظهروا نوعا من تزكية نفوسهم وبيان رفعة درجتهم عند الله مقارنة ببقية أفراد المجتمع، بل على حساب المجتمع، والحقيقة أن صلاتهم هذه في نظر الدين باطلة لأنها صلاة المغتر المعجب بدينه كما بين ذلك المسيح في رواية متى للبشارة حيث يقول: “وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين فإنهم يحبون الصلاة قائمين في المجامع وملتقى الشوارع ليراهم الناس. الحق أقول لكم إنهم أخذوا أجرهم.” يعني يثبتون السمعة في الدنيا دون التقوى.

السؤال الثاني:إلى أي حد يمكن الحديث عن حضور الرحمة في الدين من خلال تعاليمه بشأن الوباء وآثاره؟

الدكتور رضوان غنيمي

الدين كله رحمة، وإلا كيف نصف دينا جاء لينقذ البشرية من ظلمات الجهل ليدخلهم في نور رحمة ربهم، كما أننا قد نتحدث في الإسلام عن تشريع في الحالة العادية وتشريع في الحالة الاستثنائية أي الضرورية، كما هو الحال مع الأوبئة، فكل الأحكام تنهار في حالة الضرورة رحمة بالمؤمنين لأن حفظ أنفسهم أقدس من أي مقدس، قال رسول الله ﷺ لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون من قتل مسلم. وقال أيضا: ” لزوال الدنيا أهون على الله عز وجل من سفك دم مسلم بغير حق” ولنا في الرخص الشرعية المثال الواضح: فالصوم وإن كان ركنا إلا أن حكم وجوبه ينهار أمام ضرورة الحامل والمرضع والمريض والشيخ الكبير والمسافر… رحمة بهم يقول الله تعالى في سورة النساء “وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً.”

الدكتور ﭘال هيك

الدين بعينه رحمة فيدعو جميع الناس الى فعل الإحسان بعضهم الى بعض والى المسكين على وجه الخصوص. تشديد الدين على الرحمة هو الذي يُبقى المجتمع على إنسانيته أمام رعب الوباء. وصدر للبابا فرنسيس كتاب عنوانه اسم الله الأعظم هو الرحمن. لذلك ينبغي للمؤمن النظر الى العالم بعين الرحمة شهادة للرحمة الإلهية. هكذا يقول المسيح في عظته الكبرى: “طوبى للرحماء لأنهم يعرفون الرحمة.” ومن الجدير بالذكر أن الشفاء الذي هو الآخر من صفات الله تابع لرحمته تعالى. فليضاعف جميع المؤمنين في كل أنحاء العالم الجهود في سبيل شفاء المجتمع من آثار هذا الوباء اللعين، ما سينشر الشعور بالرحمة في قلوب الناس أجمعين.

السؤال الثالث: هل من المسوغ في مثل هذه الظروف الاستثنائية التي تعيشها البشرية أن نتحدث عن عقاب إلهي؟، أم الأحرى أن نفتح باب الأمل أمام الناس لنحدثهم عن الرحمة الإلهية، وإذا كانت الرحمة حاضرة فما هي بعض مظاهرها التي ينبغي أن تظهر في سلوك الناس اليوم وفقا لتعاليم الدين؟

الدكتور رضوان غنيمي

بالفعل انقسم الناس حيال هذا الوباء إلى صوتين الأول: بشكر الوباء ويرى فيه عقاب الله المسلط على العصاة من عباده، وهذا فيه فرح وابتهاج بمصيبة الآخر وتزكية للنفس وهو خلاف الهدي المحمدي الذي حذرنا من إظهار الشماتة بالناس عند مصابهم، والثاني عميق متناه في اللؤم يحمل لواء اليأس والقنوط وإبعاد خلق الله عن رحمة ربهم بهم، وكلها أصوات تنشر أفقا أسودا بين الناس، وتصادم جوهر الدين الذي جاء ليفتح للناس باب الأمل من جديد، وليس هذا دأب المؤمن وقد توعّد النبي ﷺ من ينتهج هذا الأسلوب المنفّر فقال ﷺ “من قال هلك الناس فهو أهلكهم” ورتب لهم في المقابل الأجر مع صبرهم على البلاء قال ﷺ “عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له! وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”. ومن مظاهر الرحمة التي يجب أن تظهر بين الناس اليوم الالتزام التام بالإجراءات الوقائية التي لا محيد لنا عنها لنعلم أن مسألة ملازمة البيوت لم تعد مجرد إجراء وقائي دعا إليه الأطباء وأخصائيوا علم الأوبئة والفيروسات، بل هو واجب شرعي ونمط من أنماط التدين ورحمة الناس بكف الأذى عنهم.

الدكتور ﭘال هيك

لا يصح القول إن الوباء عبارة عن سخط الله، لأن الابتلاء بالشر يصيب الصالح كما يصيب الفاسد. وقد ردّ المسيح على مثل ذلك الوهم في رواية لوقا للبشارة: “وأولائك الذين سقط عليهم البرج وقُتِلوا: أتظنّونهم أكبر ذنباً من سائر أهل القدس؟” الوباء شرّ في حد ذاته ولاشك، ولكنه في نفس الآن يدفعنا الى التأمل في سرّ الله في الخلق، ويُذكر في المزامير أن الخلق كله مدعو الى تسبيح الله ولكن الانشغال بشواغل الدنيا ينسينا تلك الحقيقة، ومما لا شك فيه هو أن ترك الانتباه الى سر الله في الخلق يفتح الباب للاعتداء عليه، ما يسبّب في ظهور الوباء وتفشيه. هكذا لا يدل الوباء على العقاب وإنما ينبهنا على سنة الله في الكون. والانتباه الى سنة الله في الكون يؤدي بالإنسان الى ترتيب أولوياته. وبالفعل انتبه الكثير الى هذا الأمر فتركوا الأنانية والآن يتسارعون الى السؤال عن حاجيات الأخرين قبل حاجيات النفس شهادة لرحمة الله بخلقه تعالى.

السؤال الرابع: كيف تعاطى الدين عبر تاريخ البشرية مع حالات الأوبئة؟ وهل كان بالفعل حاضراً؟

الدكتور رضوان غنيمي

لقد ارتبط حضور الدين وممارسة التدين بوجود البشرية من لدن آدم عليه السلام، وبالتالي رافق الانسان في يسره وعسره، ومنها حالات انتشار الأوبئة، وحيث إن الإسلام دين واقعي يتفاعل مع حياة الناس فقد كانت تشريعاته في زمن المحن والأوبئة حاضرة دائمة سواء في نصوص الوحي، أو جلية من خلال اجتهاد الفقهاء، ومن ذلك تشريع النبي ﷺ للحجر الصحي زمن الأوبئة حرصا على سلامة الأصحاء كي لا تصيبهم العدوى فقال ﷺ “إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها.” وقال ﷺ أيضا “لا يوردن ممرض على مصحّ”. وقال ﷺ أيضا “فر من المجدوم فرارك من الأسد.”

الدكتور ﭘال هيك

تكثر قصص التاريخ التي تشهد لقوة الدين عند الوباء واستعداد المؤمن للتضحية بماله وأحياناً بنفسه في سبيل العناية بالمصابين، ومن أبرز القصص في المسيحية من هذا القبيل قصة القديس كارْلو بورّوميو الذي تكفّل بحاجيات الشعب كافة حين هرب أهل الدنيا من آثار الوباء الذي اجتاح شمال إيطاليا في القرن السادس للميلاد، هكذا تشير حياة المؤمن الى بقاء الخير في حين قد يتساءل الكثير عن وجوده، الشيء الذي يلهم بقية المجتمع التمسك بالأخلاق رجاء في الله. ومما يدفع المؤمن الى إظهار الرحمة للغير دون مقابل في زمن الوباء بدلاً من الهروب ما يدعو إليه نص من رسالة يوحنا الأولى: “من له خيرات الدنيا ورأى بأخيه حاجة فيعرض عنه فكيف تقيم فيه محبة الله؟” تدل كل هذه مؤشرات على أن المجتمع زمن الوباء بالفعل يتفكك لو لا الدين الذي يدعو المؤمن الى الغيرة على خير الجميع.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


75 − 72 =