الدكتور رضوان غنيمي : خرق الحجر الصحي استعجال الناس حتفهم

الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر كلية العلوم الشرعية بالسمارة

لقد اقتضت الحكمة الربانية أن يُخلق الإنسان ضعيفا مفتقرا في بنيته الجسدية إلى طعام وشراب ودواء، غير قادر على تحمل الحر ولا القر، ضعيفا عاجزا عن إدراك ذاته وما بداخله فضلا عن إدراك أسرار هذا الكون أو ما غاب عن الحواس، فكان فقره وضعفه في نفسه وذهنه وبدنه، ومن أكبر تجليات ضعفه أن خلق من عجل قال الله تعالى: ” خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ” فالاستعجال إذن صفة طبع بها ابن آدم لم يسلم منها حتى الأنبياء قال صلى الله عليه وسلم في شأن موسى والخضر .رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَوْ لَمْ يُعَجِّلْ لَقُصَّ مِنْ حَدِيثِهِ غَيْرُ الَّذِي قُصَّ”

وقد جاءت الشريعة الاسلامية في عمومها لتنبه ابن آدم إلى أنه لربما استعجل شيئا كان فيه هلاكه، ولربما استعجل شيئا وسنن الكون تقتضي خلاف ذلك، ولربما استعجل شيئا لا طاقة له به… قال تعالى ”  وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ” .

وينقسم الاستعجال على الإجمال إلى ثلاثة اقسام:

استعجال باسم الله: وهو  في حقيقته من التألي على الله وهو الذي يظنه صاحبه من الدين وهو ليس كذلك، كمسارعة المسبوق ليدرك الصلاة مع الإمام وقد انطبع في ذهنه خطأ أن ذلك من الدين  وأنه مطلوب شرعا وحقيقة الأمر على خلافه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  «  إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، واتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة .

استعجال فطري: وهو الذي يسبق إليه الذهن اعتبارا لأصل خلقة الإنسان كما هو واضح من موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام رجلان من الأنصار فعن صفية بنت حيي رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته، ثم قمتُ لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في بيت أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأَيَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرَعا في المشي، فقال: “على رِسلكما إنما هي صفية بنت حيي”، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: “إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفتُ أن يقذف في قلوبكما شرًّا، أو قال: شيئًا”

وغالبا ما يكون هذا النوع في أيامنا من منطلق سوء الظن الذي قد يكون في بعض النفوس المريضة سجية، بل قد أصبح من معالم انتكاستنا الحضارية على مستوى القيم أن بدأنا نؤصل لمثل هذه الأخلاق المشينة في محاولة إكسابها  صفة الشرعية، حتى جرى على ألسنة الناس قولهم: “من الحزم سوء الظن” وهو في الحقيقة كلام مُنكر يصادم الشريعة في جوهرها.

الاستعجال في المعاملة: وهو بدوره مرتبط باستعجال المصلحة بصورة خاطئة ولهذا كانت القاعدة الفقهية: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

لا أبالغ إذا قلت أن نصف إحباطات الناس بسبب استعجالهم ما لا يمكن تحققه، وأكثر من ثلثي خلافات الناس بسبب استعجالهم، ثلاثة أرباع نسب الطلاق بسبب الاستعجال، و كل هذه الصور قبلناها في حياتنا على مضض، أقنعنا أنفسنا بإكراهات الواقع، وما فرضته المدنية الحديثة، و زمن السرعة، والعالم  لا ينتظر،… وكلها شماعة من وحي خيال ضعفنا لنعلق عليها فشلنا، ضعفنا، سوء اختياراتنا، لكن الذي لا يقبله عقل سليم ولا منطق صريح أن نستعجل ما فيه حتفنا، بل وحتف غيرنا وكأنه ليس في الناس رجل رشيد.

لا أريد أن أكون متشائما لكن واقع الحال ينبئ عن آت لا يبشر بخير، ففي الوقت الذي كنا نشيد  بالتزام الناس بالحجر الصحي،  وارتفاع مستوى وعي المغاربة فجأة بدأنا نرى انزلاقات خطيرة  لبعض الناس وكأنهم استأنسوا الوباء فما عاد يهددهم و بدأت بعض الأصوات تتعالى بكلام حق يراد به الباطل انطلاقا من مقاربات خاطئة منطلقا ونتيجة، وإلا فمنذ متى كان الناس يقدمون الأكل على عافية الأبدان؟ بم ينفعك ما ادخرت من طعام وشراب وما اكتنزت من مال إذا ابتليت في بدنك؟ إذا كان الأصل في المال أن يُنفق على الأبدان أليس من الأولى والأسلم والأجدر أن نبقي هذه الأبدان في مأمن ابتداء؟  يقول النبي صلى الله عليه وسلم ” من أصبح معافا في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا” وإذا كان نفع الناس مطلوبا فإن هذا النفع يتحقق بالفعل كما يتحقق بالترك، فمن أحب احدا سعى إلى نفعه ومن مظاهر النفع زمن الوباء أن تبقى بعيدا عمن تحب ..

حقيقة يتوقف العقل أحيانا وأنت تقلب النظر في تصرفات الناس زمن الوباء، عناق وتقبيل وزغاريد وتجمهر لأجل شخص يخرج من المستشفى وقد تعافى من الإصابة، أي رسالة يريد أن يوصلوا هؤلاء، إن الوقت ليس وقت بدخ ولا تنعّم، ولا مكابرة ، وحسب الناس ما قام به قوامهم من ضروريات الحياة، وهذا الحد قد ضُمن للناس لما أحدث صندوق مواجهة هذه الجائحة .

مهما قلّبنا المسألة ومن أي زاوية نظرنا إليها إلا ونجد صوت الشرع والعقل والفهم والمنطق و الواقع يقتضي أن يلتزم الناس بالحجر الصحي الذي فيه سلامتهم.

إذا كانت الموضوعية تقتضي منا  الاعتراف بمجهودات الدولة بقيادة أمير المؤمنين نصره الله في إبقاء الناس في مأمن إلى حدود الساعة، ولعلها الطرف الأكثر تضررا وتحملا لتبعات هذا الحجر الذي تسعى إلى تطبيقه، فإن أخوف ما نخافه أن يصيبها العياء وأن تستسلم أمام هذه الموجات المتتالية من تهور بعض الناس وسطحية رؤيتهم فتتركهم لاختياراتهم وأقدارهم، لا تستعجلوا فلربما تمنيتم أن يسمح لكم بملازمة بيوتكم في المستقبل القريب، إن الاستعجال لا يأتي إلا بشر، خصوصا إذا كان دعاته وزعماؤه  من سقط الناس ممن لا يلتفت الناس لقولهم، ولا يأبهون  لرأيهم.

لا تستعجلوا ففي استعجالكم حتفكم وحتف الأبرياء معكم واسألوا الله العافية، لقد استعجل نبي الله يونس فوجد نفسه في بطن الحوت، و استعجل يوسف عليه السلام أن يخرج من حبسه فكانت النتيجة أن مكث في السجن بضع سنين، واستعجل قبلهما آدم فأخرج من الجنة.

نسأل الله أن يرفع عنا الوباء ويبعد البلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


11 + = 20