المنبر المغربية :
دخلت العلاقات المغربية الإسرائيلية، خلال الساعات الأخيرة، مرحلة جديدة بعد الاتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين من مكاتب اتصال إلى سفارات كاملة، مع تعيين وتبادل السفراء، إلى جانب إجراءات عملية أخرى تتعلق بالرحلات الجوية والاقتصاد والاستثمار والتعاون في عدد من القطاعات.
وتكتسي هذه القرارات أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، لأن تحويل العلاقة إلى مستوى السفارات يعني الانتقال من صيغة دبلوماسية محدودة إلى إطار مؤسساتي أكثر استقراراً، بما يتيح قنوات رسمية دائمة لمعالجة الملفات السياسية والقنصلية والاقتصادية، ويجعل العلاقة أقل ارتباطاً بالمبادرات الظرفية وأكثر ارتباطاً بالمؤسسات.
وتبرز أهمية القرار أيضاً في الجانب الاقتصادي. فقد اتفق الطرفان على استكمال اتفاقية لحماية الاستثمارات وأخرى لتفادي الازدواج الضريبي قبل نهاية سنة 2026، بما يوفر إطاراً قانونياً أوضح للاستثمارات والمبادلات التجارية، ويقلل من المخاطر التي قد تعيق توسع العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
كما تشمل التفاهمات إعادة الرحلات الجوية المباشرة بين المغرب وإسرائيل قبل نهاية السنة، وهو قرار يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على السياحة وحركة رجال الأعمال والجالية اليهودية المغربية المقيمة في إسرائيل، فضلاً عن تسهيل التنقل بين البلدين.
لكن البعد الأكثر حساسية في هذه التطورات يرتبط بالملف الاستراتيجي المغربي الأول: قضية الصحراء.
فالتصريح المغربي الأمريكي الإسرائيلي المشترك جدد، بحسب النص المنشور، اعتراف الولايات المتحدة وإسرائيل بسيادة المغرب على كامل أراضي الصحراء، ودعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للحل. وهذا المعطى يمنح التطور الدبلوماسي بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية المباشرة، لأنه يربط الشراكة المغربية الإسرائيلية أيضاً بموقف واضح من إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية المغربية.
وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى أن واشنطن وتل أبيب حددتا، في التصريح المشترك، الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه حل النزاع، وهو موقف يحمل وزناً سياسياً بالنسبة إلى الرباط، خصوصاً عندما يصدر في إطار ثلاثي يجمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.
في المقابل، لا تختزل التطورات الجديدة في الدبلوماسية والاقتصاد فقط. فالتصريح أشار أيضاً إلى توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والأمن والابتكار والتجارة والطاقة والمياه والزراعة والأمن الغذائي والاتصالات، إلى جانب تشجيع الزيارات رفيعة المستوى بين المسؤولين.
وهنا يظهر جوهر التحول: العلاقات لم تعد تُبنى على ملف واحد، وإنما يجري وضع مجموعة من القطاعات داخل إطار تعاون متكامل، من الاستثمار والتجارة إلى التكنولوجيا والطاقة والمياه والأمن الغذائي.
وإذا تم تنفيذ هذه الالتزامات على أرض الواقع، فإن العلاقات المغربية الإسرائيلية ستصبح أكثر تشعباً من صيغة التعاون التي نشأت بعد استئناف العلاقات سنة 2020. فالسفارات، والرحلات المباشرة، واتفاقيات الاستثمار والضرائب، والزيارات الرسمية، كلها أدوات تجعل العلاقة أكثر انتظاماً وأقل اعتماداً على القنوات غير المباشرة.
فإذا تحولت مكاتب الاتصال إلى سفارات كاملة، واستؤنفت الرحلات المباشرة، واكتملت الاتفاقيات الاقتصادية، وتوسعت الاستثمارات والتعاون في التكنولوجيا والطاقة والمياه والزراعة، فإن العلاقة ستكون قد دخلت فعلاً مرحلة جديدة من institutionalization، أي ترسيخ التعاون داخل مؤسسات وقواعد ثابتة.
أما بالنسبة للمغرب، فإن المعادلة تبدو أوسع من مجرد تطوير علاقة ثنائية مع إسرائيل. فكلما توسعت شبكة الشراكات الدولية للمملكة، أصبحت أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية أكثر تنوعاً، خصوصاً في ملفات التكنولوجيا والاستثمار والطاقة والمياه والأمن الغذائي.
ومن هذه الزاوية، فإن القرارات الأخيرة تستحق القراءة باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب طويلة المدى للعلاقات الخارجية المغربية، وليس مجرد حدث دبلوماسي عابر.
المغرب وإسرائيل يتجهان، وفق الاتفاقات المعلنة، من مرحلة مكاتب الاتصال إلى مرحلة السفارات، ومن العلاقات السياسية إلى مزيد من الأطر الاقتصادية والمؤسساتية، فيما يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بما سيُنفذ فعلياً خلال الأشهر المقبلة.
فالقرارات أُعلنت، لكن المرحلة الأهم تبدأ الآن: مرحلة التنفيذ، وتحويل التفاهمات إلى سفارات، واتفاقيات، ورحلات، واستثمارات ومشاريع ملموسة. وهنا تحديداً ستظهر القيمة الحقيقية للتحول الجديد في العلاقات المغربية الإسرائيلية.


قم بكتابة اول تعليق