المقاربة الامنية ليست كافية لتجفيف منابع الجريمة بل ينبغي تداخل مقاربات مندمجة أخرى لاحتواء الظاهرة ..

ــ   الجانح ابن هذا المجتمع أي ” إبن المملكة المغربية ” و مصيره يهمنا بالاساس و نحن معنيون بإصلاحه و إعادته توجيهه ويجب التعامل معه وفق هذا المنحى .. مصداقا للحديث الشريف ” كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته .. ”

إن ظاهرة الإجرام والانحراف والجنوح ظاهرة كونية ولا يوجد مجتمع من المجتمعات البشرية يخلو من ظاهرة الانحراف والإجرام ، لكن المثير للجدل في السنوات الأخيرة هو تنامي ظاهرة الإجرام والانحراف والجنوح، على مستوى الحواضر الكبرى للمدن ولا سيما داخل الهوامش ..

و في ظل استفحال ظاهرة “الكريساج”، التي نادى بها مجموعة من الناشطين على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي و التي تعرفها بعض النقط السوداء ، حيث يكونوا اصحابها مدججين باسلحة بيضاء للنيل من ضحاياهم … حيث طفت الظاهرة الى السطح بشكل كبير ،  لدرجة ان الامر اصبح يتطلب أكثر من وقفة لإبراز الاسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة التي يعتبرها المغاربة أنها دخيلة على المجتمع المغربي ..

و السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو : هل المقاربة الأمنية كافية لوحدها لتجفيف منابع الجريمة بكل اطيافها .. ؟ بمعنى أخر هل المقاربة الامنية ستظل دائما هي المسؤول الوحيد في ظل تنامي ظاهرة الكريساج في غياب باقي المقاربات الاخرى ..؟

و في ظل هذا السياق يرى بعض الباحثون في سوسيولوجيا الإجرام أنه من باب الموضوعية أن المقاربة الأمنية في التعامل مع الاعتداءات التي تمارس على بعض  المواطنين بمختلف تجلياتها تظل ليست كافية …إذا لم تُربط بمجهودات المتخصصين في مجال التربية ومجال الإدماج والرعاية اللاحقة ومجهودات مؤسسات المجتمع الأخرى من قبيل الأسرة والمدرسة والجامعة والمحيط الاجتماعي و الاحزاب و النقابات و جمعيات المجتمع المدني ..

و لمقاربة الظاهرة من زاوية الاسرة يرى الباحثون ان هذه الحلقة تعطلت عن دورها و أصبحث من بين الاسباب المباشرة في تفشي و انتشار الجريمة و الاجرام كون أن الاطفال ربما لم تتلقى التربية اللازمة المستمدة روحها من مبادئ الاسلام كالاخلاق و احترام الأخر بشكل عام و التسامح و تلقينه روح المسؤولية.. ناهيك عن بعض التصدعات التي قد تقع على مستوى الاسرة كالنزاعات الداخلية على مستوى الاسرة أو العائلة كالطلاق مثلا ، و هذا قد يؤثر سلبا على مستوى تكوين شخصية الطفل الذي سيصبح عنصرا سلبيا في المجتمع .. ، إذ هنالك محددات مجتمعية مرتبطة أساسا بالمحيط الأسري الذي ينشأ فيه الفرد .. وهناك أيضا محدد مرتبط أساسا بالمستوى التعليمي لذلك الفرد الجانح، لأنه من وظائف المؤسسة التعليمية تلقين مجموعة من المهارات والكفايات التربوية التي تؤهل الفرد للانصهار داخل المشروع المجتمعي للمجتمع.. وهناك أيضا سبب مرتبط بالمحيط المجتمعي، ولاسيما المحيط السكني الذي يعيش داخله الفرد كطبيعة الحي و مدى توفره على المرافق الاساسية و الضرورية كالنوادي و دور الشباب الذي تتطلع بأدوار مهمة في توجيه الشباب وتاطيرهم بكيفية تجعلهم اكثر انسجاما مع المجتمع . إضافة إلى خاصية الدور الذي باتت تلعبه وسائل الإعلام، ولا سيما البرامج التي تتخذ من الجريمة موضوعا لها. وهناك محدد مرتبط بالدور الأساسي والمرجعي الذي أصبح يلعبه الاصدقاء على مستوى انتقال ما يسمى بالأعراف والتقاليد الإجرامية عبر ميكانيزم التقليد.

و في ذات السياق يربط بعض المتخصصين استفحال الإجرام بالمغرب بالحبوب المهلوسة التي يتعاطى إليها بعض المراهقين أو الشباب و بالعودة مثلا إلى الدراسة الميدانية التي وقفت عليها المنبر المغربية أن هناك علاقة وطيدة بين شيوع السلوكات الإجرامية والمنحرفة وتعاطي المنبهات العقلية التي تسمى بـ”القرقوبي” أو الأقراص المهيجة التي تجعل من ذلك الشخص المدمن فردا غير مكترث وغير مبال بالمخاطر التي قد يضع فيها نفسه هو، أو قد يضع فيها المجتمع. وبالتالي، لا تكمن خطورة الإدمان على المواد المسكرة أو المهيجة فقط في الجانب المتعلق بتعاطيها، بل أيضا في تأثيرها على الفرد وعلى المجتمع .

و من جهتهم يرى العديد من الحقوقيين ان تعطل الادوار المنوطة بالاحزاب هي بين الاسباب الكامنة وراء استفحال الجريمة ، كتاطير الشباب و تعبئتهم بكيفية تخدم المجتمع أي تجعلهم حسب رأي المختصين أكثر قابلية للانصهار داخل المجتمع .. و في هذا الصدد يرى خالد و هو باحث جامعي ان بعض الاحزاب لم تنشط الا في الانتخابات لاستقطاب أصوات لخدمة مصالحها الخاصة .. و ما يقال عن الاحزاب و النقابات يقال عن جمعيات المجتمع المدني ..

و بشكل عام ..لا يمكننا أن نواجه سلوكا عدوانيا وعنيفا بكيفية عنيفة ، فالحق في العيش أو الحق في الحياة هو أعز ما يطلب. وهنا، يمكن أن نشير إلى أنه لا يمكننا أن نترك مثلا جماعة المنحرفين والجانحين في مواجهة مباشرة مع السلطات الأمنية لوحدها، فالأسرة مسؤولة، والمجتمع المدني مسؤول، وكذلك الجامعة والبحث العلمي، ووسائل الإعلام والاتصال، و الاحزاب و النقابات و جمعيات المجتمع المدني مسؤول مصداقا للحديث الشريف القائل ” كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته .. ” . ومن ثم، يجب أن تنخرط جميعها في مسلسل من أجل تسوية هذا الملف ،  لأن الجانح ابن هذا المجتمع أي إبن المملكة المغربية و مصيره يهمنا بالاساس و نحن معنيون بإصلاحه و إعادته توجيهه ويجب التعامل معه وفق هذا المنحى .

و نرى من وجهة نظرنا كإعلاميين لا يمكن بتاتا أن نحل أو نقضي على ظاهرة الجريمة والجنوح والإجرام بالاكتفاء فقط بالمقاربة الأمنية. بل هناك مثلا المقاربة التربوية، وهناك المقاربة السيكولوجية، وهناك المقاربة الثقافية و الاجتماعية و السياسية التي تتبنى التنمية بغاية الإدماج، لأن ذلك الجانح هو ابن هذا المجتمع، والرهان الأساسي هو إعادة تنشئة هذا الفرد الجانح كي يؤمن بمعايير المجتمع وقيمه وقوانينه، من أجل أن يتبناها. ويعني هذا، في آخر المطاف ، تبنيه ثقافة العيش المشترك داخل هذا المجتمع .

 




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


55 − = 47