الدكتور رضوان غنيمي : مواجهة الأوبئة بين الإيجابية في الخطاب ونشر الإشاعات

الدكتور رضوان غنيمي   أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم الشرعيةــ  السمارة

جعل الله عز وجل الابتلاء والمحن سنة ماضية في الخلق تمحيصا لهم،أو تطهيرا، أو رفعا للدرجات،حتى قال تعالى في تقرير هذه الحقيقة: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون ، فتكون الأوبئة وغيرها مما عرفته البشرية من لدن آدم عليه السلام وإلى أن ينفخ النافخ في الصور نوعا من الابتلاء الرباني بغض النظر عن الأسباب،لأجل ذلك كان أفضل ما يواجه به هذا الوباء “كورونا” هو الدعاء والتضرع إلى الله تعالى وإظهار الاستسلام له والتوبة إليه ، بالإضافة إلى الأخذ بالأسباب المتاحة طبعا،وهي جملة الإجراءات الاحترازية و التدابير الوقائية على مستوى العالم، ولعل انشراح الصدر أمام التوجه إلى الله بالدعاء يمثل اليوم ثورة مشرقة وصورة من صور الأمل وعلو الهمة الدالة على حالة نفسية مستقرة، وهذا ما تحتاجه البشرية اليوم، نحتاج إلى توحيد فكر المغاربة في مواجهة أزمة واقعة، وخطة مواجهتها تبعا للرؤية المولوية السامية في حالة انخرط فيها الجميع ناجعة،

إننا اليوم أمام جهل مكعب من وجهين: الأول صوت يرتفع بشكر الوباء ويرى فيه عقاب الله المسلط على العصاة من عباده، وهذا فيه فرح وابتهاج بمصيبة الآخر وزكية للنفس وهو خلاف الهدي المحمدي الذي حذرنا من إظهار الشماتة بالناس عند مصابهم وفضلا عن كونها مظهرا قبيحا وسلوكا مشينا يتنافى مع مبدأ الأخوة الإنسانية، والثاني عميق متناه في اللؤم يحمل لواء اليأس والقنوط وإبعاد الرحمة الله عن خلقه، وكلها أصوات تتعالى بغير علم تعليقا وتعقيبا بشكل ينشر أفقا أسودا بين الناس، فيثنيهم عما هم بصدده من الإجراءات الاحترازية التي تبقيهم بمأمن عن مرمى هذا الوباء القاتل، ولا يخفى خطأ هذا الخطاب العدمي على عموم الناس شرعا ووضعا، ففي ظل غياب اللقاح المضاد لهذا الوباء على مستوى العالم لا يمكن الحديث عن شيء يمكن أن نواجهه به سوى هذه الإجراءات الاحترازية، وبالتالي يبقى كل صوت يشكك في فعالية هذا الإجراء أو عدم جدواه هو صوت يقنط الناس من رحمة الله،

وليس هذا دأب المسلم وقد علمنا الوعيد الذي خص به النبي صلى الله عليه وسلم من ينتهج هذا الأسلوب المقيت فقال ” من قال هلك الناس فهو أهلكهم” بل لطالما أمر أصحابه بالتحلي بالإيجابية و فتح باب الأمل أمام الناس وحملهم على الإيجابية في التعاطي مع طوارئ الحياة حتى ولو كان دينا فيه نجاتهم  فقال عليه السلام: “يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا ” .

إن خطاب التيئيس والتبخيس والتهويل اليوم هو خطاب مرفوض تماما، لأنه بمثابة معول هدم لا أثر له غير تدمير الصحة النفسية للمغاربة في وقت هم أشد ما يكونوا حاجة إلى ما يدعم صمودهم في وجه هذه الجائحة ويحفظ، فنحن اليوم لا نريد معاول هدم، بل نقول لهذه الأصوات أعجزتم أن تكونوا كعجوز بني إسرائيل؟

إنه الجهل المكعب الذي يجعل من صاحبه جاهلا داعيا إلى جهله، ولو سكت لانتفع بسكوته ونفع، وقد قالوا قديما لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف. وأظن أننا اليوم في أمس الحاجة إلى طرق باب هذا الموضوع الخطير والخوض فيه من باب إماطة الأذى عن بعض العقول،فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإماطة الأذى عن الطريق معتبرا ذلك صدقة فإن الحاجة اليوم أصبحت ملحة إلى إماطة أذى الجهل عن العقول لخطورة أثرها، فنحن أمام جائحة تفشت واتسعت رقعة انتشارها فأصابت ما يفوق 180 دولة عبر العالم تصدت لها كل دولة بما لديها من رصيد ثقافي، ومكون عقدي، ووعي مجتمعي، وقد طُرقنا بالذي طُرق به العالم فشاركناه بذلك في المصاب والأخذ بالأسباب، وأصبحنا مطالبون أيضا أن نُظهر ما لدينا من ثقافة ووعي وحضارة وتشريع، لمواجهة هذه الجائحة التي دهمتنا حفظا لأنفسنا وإنقاذا لغيرنا، تعبيرا منا عن جوهر ديننا القاضي برفع الحرج والتيسير على الخلق وحفظ الأنفس الذي يعتبر مقصدا ضروريا من مقاصد التشريع الإسلامي الذيسعى إلى بناء مجتمع قوي متماسك في ذاته قائم على فضائل الأخلاق و رفيع القيم  ، وفي المقابل حذر من كل ما من شأنه أن يفرق وحدته ويضعف قوته، ويقوّض دعائمه من الداخل ويأتي في مقدمة ذلك تناقل الأخبار الكاذبة والإشاعات المغرضة، لأن سلاحها اليوم وهو التكنولوجيا ( واتساب_ تويتر_ فايسبوك_ …) أصبح متوفرا في أيدي الجميع: عاقل الناس ومختلهم، وعالمهم وجاهلهم وسفيههم،والإشاعة في الحقيقة حرب من أنماط الحروب القديمة التي حورب بها حتى الأنبياء ولطالما كانت سلاح العاجز الضعيف،والمتتبع للتشريع الاسلامي يجد أنه تصدى لهذه الآفة وتوعد المنخرطين فيها – وإن سلمت نياتهم –  وكان ترويجها جهلا منهم إمعانا في خطر الإشاعة عموما فقال عليه الصلاة والسلام:بئس مطية الرجل زعموا.

إن الحديث عن انخراط الناس في الترويج لإشاعات لا أساس لها، أو محاولة نشر الظلمة والسواد في غذ البشرية عموما هو حديث عن صنف من الناس تخلف بهم الركب عن حقيقة مقتضى العيش في مجتمعات، وهو حديث عن حال أناس رق تدينهم، وغابت وطنيتهم، واقتحمهم الجهل بأن خالفوا

الفطرة الإنسانية المتعطشة لكل ما هو إيجابي من شأنه أن يعلي الهمم في مثل هذه الأوقات العصيبة التي سيسجلها تاريخ الإنسانية ولا شك.

إن الحديث عن خطر الإشاعة في هذه الظروف الاستثنائية هو حديث عن سلامة أمة بأسرها، والتهاون في شأن ما يُختلق وما يروج هو في الحقيقة تساهل وتهاون في أمن مجتمع، وبالتالي تبقى خطورة هذه الإشاعات في هذا الوقت أشد خطرا من الفايروس في ذاته لأن حدة انتشار الإشاعة أوسع وأسرع من انتشار الفايروس، وإذا كنا مطالبون بعزل أنفسنا عن بعضنا حصرا للجائحة لأنها تتنقل بتنقلنا، فإن مصيبة الكلمة وخطورتها أبعد وأعمق، بحيث يتم تداولها من داخل البيوت وربما أعمق، لكن إيجابيتنا تجعلنا نعتقد بشكل جازم في قوله تعالى:  وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


81 − 80 =