الدكتور رضوان غنيمي : أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم الشرعية السمارة
إن من مقاصد الشريعة وأهدافها حفظ الأنفس وصيانتها وحمايتها من أن يعتدى عليها بإزهاقها أو تعطيلها كلا أو جزءا بل حتى ترويعها وإخافتها، لأجل ذلك جاءت التشريعات المتعددة لضمان المحافظة عليها، إلا أن ابتعاد الناس عن تعاليم دينهم وجرأتهم على انتهاك حرماته خلق لنا في المجتمع ظواهر غريبة ومخلوقات أغرب استحلت أموال الناس واسترخصت دماءهم، وتلاعبت بأمنهم.
والناظر المتأمل في جوهر الشريعة المستقري لأحكامها،المجلي لمقاصدها،يدرك جليا قيمة النفس البشرية فيها، وفي المقابل أهمية صونها وحمايتها، ووجوب تقديمها شرعا عما سواها مما دار في فلكها، وحام حولها من باقي المقاصد الشرعية والضرورات الكلية الأخرى،فإذا عُدمت النفس عُدم ما دونها لأنها الأصل و باقي المقاصد الشرعية تبع لها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم. وقد أصابنا في أيامنا زمن وباء كورونا ما يستدعي فهم هذه الحقيقة واستيعابها، ليعلم المستهترون والمستخفون ومن عُدموا الإحساس بالمسؤولية ممن يضعون التعليمات الصحية والأمنية خلف أظهرهم استخفافا وجهلا بما يتربص بهم أنهم يشاركون بصفة غير مباشرة في قتل غيره من الآمنين أو على الأقل ترويعهم ، ذلك أن خبراء الصحة عبر الدنيا يجمعون أن السلامة كل السلامة تكمن في لزوم الناس بيوتهم، وأنه كلما ازدادت حركة الناس ازداد معها نشاط الفيروس، وكثرت احتمالات مصابين جدد،ولا شك أن علماء المرحلة هم الأطباء
وهذا معروف عند الفقهاء بتحقيق المناط، أي أن الأمر هنا وهو الفيروس وما يتصل به من سوابقه ولواحقه منوط بالأطباء وأهل التخصص من خبراء الأوبئة والفيروسات، والفقيه ينزل الحكم تبعا لهم،وبالتالي فإن تعليماتهم تقوم مقام المشرع في سَنّ ما يحفظ للناس مُهجهم ويُبقيهم بمنأى عن الإصابة بهذا الوباء الفتاك، وعليه فإن خرق هذه التعليمات وعدم الانضباط لها يعتبر تمردا لا نتيجة له إلا ترويع الآمنين إن لم نقل قتلهم،لأن القاعدة عند الفقهاء أن المتسبب كالمباشر، وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ترويع وتخويف المسلم ظلما عظيما فقال: لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم” مجرد تخويف قد ينحصر أثره على الجانب النفسي مدة من الزمن قبل أن يزول اعتبره الإسلام ظلما عظيما، أما الذي نحن بصدده فهو الموت المحقق، عدم الانضباط والتمرد والاستهتار فيه قتل للنفس ابتداء ثم الغير تبعا بالضرورة، فأما النفس فقد غلبنا صاحبها عليها وهو مسؤول عن اختياره شرعا، لكن أن يتسبب بكل خطوة متهورة منه في قتل نفس بريئة فهذا لا يقبله الشرع ولا يجيزه الوضع، إن مما ينبغي أن نعلمه أنه لا طاقة لنا حتى بعدّ قتلانا فضلا عن علاج مرضانا، فما لنا إلا الوقاية والحذر قبل أن نصل مرحلة الخطر، وما يحدث في العالم وما تعانيه أكبر الدول و أقواها عدة وعتادا برهان شاهد لا يحتاج إلى دليل،ارحمونا وارحموا أنفسكم وأهليكم يرحمكم الله، إنه لمن العار المخزي أن يضحي من أجلنا الطبيب، ويموت فداء لنا رجل الأمن، ليأتي واحد من سقط الناس لا يقدر الأمور قدرها،ولا يقيم للحياة وزنها فيزج بأمة إلى الهاوية بسفه عقله.
إن حقيقة التدين اليوم في ظل ما يكابده الناس جراء ما طرقهم من وباء يقتضي استحضار روح الشريعة وعمقها وترتيب أولوياتها، ليكون كفّ الأذى عن الناس من أعظم عبادات الترك وليس أذى أشد من أن تنشر الموت بين الناس بتنقلك بينهم في وقت أنت مأمور فيه بالسكون، حقيقة التدين اليوم تظهر في الإحسان إلى الآخر وكف الأذى عنه خارج إطار استووا، التي متى قالها الإمام اصطف له الناس، حقيقة التدين اليوم تقتضي التزاما حقيقيا خارج إطار سمع الله لمن حمده، التي متى قالها الإمام انتصب له الجميع وقوفا، قال النبي صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم الناس من لسانه ويده.
إن حقيقة التدين اليوم تقتضي منا التزاما تاما بالإجراءات الوقائية التي لا محيد لنا عنها لنعلم أن مسألة ملازمة البيوت لم تعد مجرد إجراء وقائي دعا إليه الأطباء وأخصائيوا علم الأوبئة والفيروسات، بل هو واجب شرعي ونمط من أنماط التدين في المرحلة الراهنة.
إن حقيقة التدين اليوم تنقلنا من الشعائر التعبدية المعروفة لتحملنا على استحضار قيم التعاون والتضامن وحب الخير للناس في وقت أدركت فيه البشرية جمعاء حاجتها إلى هذه القيم الإنسانية السامية التي تكرّم الإنسان فقط من حيث هو إنسان، دون اعتبار لما نشأ بعد ذلك من الاعتبارات الإنسانية، الوضعية، المطبوعة بطابع النسبية والقصور.
إن دعوتنا اليوم إلى مراجعة حقيقة تديننا في زمن الوباء هي دعوة للوقوف مع جملة من الممارسات التي أزالت كورونا القناع عنها فظهرت بشكل يبعث على الخوف،ونزلت بكلها عبئا على الدولة فاستنفذت منها جهدا إضافيا، أما كان الأولى أن يُستفرغ هذا الجُهد في التصدي للوباء؟أليس من العار أن نحتاج لجان يقظة تجوب الأسواق زجرا للطماعين والجشعين والمتاجرين بآلام الناس؟ إنك لتشعر بنفسك تتقلص وتتلاشى خجلا وألما وأنت ترى وتسمع تلك المقاطع السمعية البصرية التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي لرجال سلطة وهم يتنقلون من بائع إلى آخر يذكرونهم الله ووجوب مراعاته في تجارتهم، أين تدين الناس؟ أين رحمة الناس للناس؟ أما علم هؤلاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وبرّ وصدق “.
لقد أظهر وباء كورونا مع كامل الأسف عوار أنفسنا ورقّة تديننا، وسوء فهمنا لشريعتنا وشرعنا، هذا الدين الذي قام على الجمع بين العقيدة والشريعة حتى لا تبقى شرائع الدين مجرد طقوس يسعى المسلم لأدائها دون أن تنعكس إيجابا على سلوكه وتعامله مع الناس، حقيقة التدين اليوم تقتضي حمل حال الخشية التي نتلبس بها في صلاتنا إلى معاملاتنا، وإلا فماذا يفعل الله بصلاتنا وصيامنا…وسائر عباداتنا ونحن نتاجر بهموم بعضنا؟ حقيقة تديننا اليوم تقتضي انخراطا حقيقيا في السعي إلى نفع الناس قدر الإمكان، وكف الأذى عنهم قدر الإمكان، فلا يمكن لمن عرف الله أن يستغل محتاجا، أو يستغل ظرفا طارئا أو وباء متفشيا، حقيقة تديننا اليوم تقتضي استحضار المريض الجائع والمسكين الضائع، تقتضي تفقد أحوال بعضنا، واستحضار قول النبي صلى الله عليه وسلم”أيما أهل عرصة أمسوا وفيهم جائع فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله” ..
نسأل الله تعالى أن يرفع عنا البلاء والوباء إنه ولي ذلك والقادر عليه.


قم بكتابة اول تعليق