الدكتور رضوان غنيمي : من الآفات الخطيرة التي أصابت البحث العلمي في نسخته المعاصرة  أنه أصبح عند الكثيرين نافذة استرزاق

المنبر المغربية : بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر أكادير ..كلية العلوم الشرعية بالسمارة ..

إن من الآفات الخطيرة التي أصابت البحث العلمي في نسخته المعاصرة  أنه أصبح عند الكثيرين نافذة استرزاق، فلا تكاد تتصفح فعالية من الفعاليات العلمية المعلن عنها ( ندوة، مؤتمرا، مائدة مستديرة…) إلا وتجد فيها عبارة منكرة مستحدثة غريبة عن البحث العلمي وأهله لم يعهدها الناس في أوساطهم العلمية من قبل وهي: “رسوم المشاركة مطلوبة”،بل ويتم التنصيص على هذه الرسوم بتفاصيل مبالغ فيها بشكل يشعرك أنك بصدد الإسهام دون أن تُستشار في مشروع استثماري مُدرّ للدخل على الجهة المنظمة لهذا النشاط، ولم يصب البحث العلمي من قبل هذا بانتكاسة أخلاقية أكثر من هذه الآفة، ومع ذلك فلربما كانت مقبولة تستساغ _ على مضض _ في  زمن مضى من قِبل بعض الجهات المعروفة بحاجتها وعوزها وافتقارها إلى من يدعم أنشطتها العلمية وفي حدود مطالبة الباحث المشارك بتحمل نفقات سفره لا غير، كان هذاقبلأن تنتشر هذه العدوى -الآفة-لتصبح ظاهرة بئيسة ممقوتة تلوث فضاء البحث العلمي وتنتهك عذريته وصفاءه،خصوصا حينما يصبح هذا الشعار الاسترزاقي ديدن  جامعات ومراكز بحث لها صيتها الذي اكتسبته عبر تاريخها الطويل في البحث العلمي، بل تصنف ضمن الجهات الغنية الداعمة لغيرها إما على الدول والحكومات أو على مستوى الجامعات والمراكز وغيرها مما يجعل الباحث المتتبع للشأن العلمي والثقافي عبر العالم  يتساءل عن جدوى وحقيقة هذه الندوات واللقاءات والمؤتمرات…وأعظم من هذا كله سؤال مرتبط بقطب رحى هذه الفضاءات البحثية وهم العلماء والأساتذة الباحثون الذين يؤثثون فضاء هذه الأنشطة العلمية مفاده لم قد يدفع الباحث رسوما مقابل إيصال علمه وجهده للناس؟

وإلى أي حد لا زالت تحتفظ بمصداقيتها لتُفَعَّلَ توصياتها وما خلصت إليه؟ ثم إن الشواهد المحصل عليها من مثل هذه الفعاليات- التي هي مبتغى كل مشارك – إلى أي حد يمكن اعتبارها نتاجا علميا حقيقيا يعكس انخراط الباحث في الحركة العلمية ومشاركته فيها.

وقد يتفاوت المبلغ المؤدى من قبله بحيث إذا حضر بنفسه ليلقي بحثه دفع قدرا وإذا أرسل البحث دون حضور دفع دون ذلك، وأزيدك من الشعر بيتا فأقول أن الأمر بلغ ببعض منابر الاسترزاق هاته إلى أن تعلن للراغبين في المشاركة أن المطلوب منهم ابتداء وعلى الفور هو تسديد الرسوم، أما البحث الذي سيشارك به الباحث فمطلوب على التراخي يصل إلى حدود شهر و شهرين بعد انعقاد الفعالية، بالله عليكم ماذا يرجى من ندوة أو مؤتمر يطالب المشاركين فيه بملخص مداخلاتهم ليلة واحدة قبل انعقاد المؤتمر؟ والشعار الكبير أن أوراقه محكمة، أي تحكيم هذا في مؤتمر دولي يتم في ليلة واحدة؟

أيّعلة هاته التي أصابت البحث العلمي وأهله؟كيف يرجى من أنشطة هذا حالها أن تحقق المرجو منها؟ ثم إن تفشي هذه الظاهرة يدفعنا للتساؤل عن حقيقة ما يقدمه الباحث من جهد وإبداع،أيقتضي أخذ المقابل أم دفع المقابل؟ بل حتى في زمن الوباء حيث لا وجود لحقيبة المؤتمر، ولا حفل شاي، ولا طبع الأوراق، لا زال الحديث عن الرسوم عن بعد كما أن المشاركة عن بعد فالرسوم إذا مقابل ماذا إن لم تكن مقابل شهادة المشاركة؟

إن استفحال ظاهرة الاسترزاق بالأنشطة العلمية اليوم يستدعي موقفا صارما من الباحثين قطعا للطريق أمام هؤلاء المرتزقة الذين أفقدوا هذه الملتقيات العلمية قيمتها، فضلا عن مصداقية مخرجاتها وتوصياتها التي تعتبر جوهر تنظيمها،ولا سبيل لمحاربة هذه الآفة إلا بمقاطعة هذه الندوات والمؤتمرات التي ميّعت البحث العلمي وشوهت حقيقته وجعلت منه وسيلة مقيتة للتكسّب فضلا عن حرمان وإقصاء فئة عريضة من الطلبة الباحثين من الانخراط في هذه الأنشطة العلمية، وسيساءلنا التاريخ يوما أننا فرضنا على طلبتنا الحضور والمشاركة في مثل هذه الأنشطة استكمالا لمجال بحثهم، ليجد الطالب نفسه بين مطرقة الأستاذ وسندان هؤلاء المرتزقة، سيسجل التاريخ أن الباحثين والعلماء والخبراء يوما سكتوا في موضع البيان حيث السكوت إقرار، فأسسوا بسكوتهم وانخراطهم لعهد جديد من الانبطاح والاستسلام والخضوع لمرتزقة جاؤوا ليفقدوا البحث العلمي مصداقيته وإن كانوا في أصلهم من جلدته انتسابا بأصل خلقتهم لا بحقيقة انتمائهم وإلا فمجالات التكسب كثيرة متنوعة ولا داع لتشويه صورة البحث العلمي ولا المشتغلين به.

إن إثارة هذا الموضوع الآن يعد بمثابة ناقوس تنبيه قبل أن تغزو هذه الآفة جامعاتنا ومراكز بحثنا وللقارئ الكريم أن يتوقع ما شاء، ويطلق العنان لمخيلته ليتصور ما يمكن أن يصير إليه شأن هذه الندوات والمؤتمرات والملتقيات والدورات، خصوصا أن هذا الأمر له لواحقه الخطيرة إذا ما استحضرنا آليات انتقاء ملفات التوظيف والترقية اللذان يركزان على الاشعاع العلمي ومدى انخراط المترشح للمنصب في هذه الفعاليات العلمية، فنكون بالضرورة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التصدي لهذه الظاهرة المشينة وهذا هو الأسلم وإما فنحن مطالبون بإعادة النظر في آليات تقييم الملفات العلمية المرشحة للمناصب أو الترقيات.

إلى حدود الساعة يمكن القول أن المشكلة يمكن احتواؤها من قبل الباحثين إذا علموا أن جميع هذه الأنشطة إنما تقوم بهم وعليهم، وهم أصحاب الكلمة فيها، وأنهم الأحق بأن يُدفع لهم مقابل مشاركاتهم فيها لا أن يدفعوا هم، فالعلم يُؤتى ولا يأتي، وأن على هؤلاء المرتزقة أن يفهموا قول الشاعر:

إن المعلم والطبيب كلامهما             لا ينصحان إذا هما لم يكرما

فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه         واصبر لجهلك عن جفوت معلما

 




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 57 = 60