الدكتور رضوان غنيمي ..رفع الحجر الصحي ليس إيذانا برفع الوباء ولا بانتهاء أمد البلاء.. رفع الحجر الصحي لا يعني إقامة الولائم ولا معانقة الجيران والأحباب ..

جريدة المنبر المغربية ..الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر اكادير كلية العلوم الشرعية بالسمارة

استبشر الناس خيرا بخبر رفع الحجر الصحي ولم يترددوا في إظهار بهجتهم بل تردد على ألسنة الكثيرين منهم عبارات تبادل التهنئة وكأنهم أنشطوا من عقال، نعم رفع الحجر الصحي وقد أُحيط رفعه بترسانة تحذيرات وتنبيهات وتوجيهات كلها تشير إلى أن الحجر إنما رُفع اضطرارا كما فُرض فيالماضي اضطرارا،

إن رفع الحجر اليوم في الحقيقة إنما هو انتقال بالناس من مسؤولية الدولة الكاملة الى مسؤولية الأفراد أو بالأحرى إشراك الدولة للأفراد في مسؤولية مواجهة الوباء وفي تحمل تبعات الجائحة اقتصاديا واجتماعيا وصحيا، إذا كنا نتحدث اليوم عن التخطيط لمشاريع حفلات، ولقاءات عائلية، وإذا كانت الشواطئ تستعد لاستقبال روادها، وإذا كان منظموا الحفلات يتحدثون عن إجراءات احترازية لبدء أنشطتهم نظرا للضرر الذي لحقهم جراء فترة الحجر الصحي، و إذا كان أرباب المطاعم والمقاهي وقد أظهر بعضهم استعداده للفتح تدريجيا مع مراعاة توجيهات وزارتي الصحة والداخلية، وإذا كان… فإن كل هذا التلهف الزمني للناس وهذا التعطش لاسترجاع وثيرة الحياة في صيغة ما قبل وباء كورونا يضعنا أمام جملة من التساؤلات:

هل أدركنا حقيقة رفع الحجر ودوافعه؟ هل نحن مؤهلون نفسيا واجتماعيا لتقبل رفع الحجر الصحي؟ إلى أي حد يمكن لإجراءات الحماية والاحتراز الصمود أمام أعرافالمغاربة وبنياتهم المجتمعية؟هل المقاربة الاقتصادية التي روعيت لرفع الحجر بالفعل مقاربة صحيحة؟

ليس هذا الكلام تشاؤما، ولا نظرة عدمية وإنما هي محاولة لاستشراف مستقبل ظهرت مؤشراته يومين أو ثلاث قبل رفع الحجر لتصل عدد الإصابات قبله بيوم واحد عددا هو الأعلى منذ دخول الوباء إلى المملكة.

إن تزايد عدد الإصابات بوثيرة مرعبة مقارنة بمعدل ارتفاعها على مدى ثلاثة أشهر مضت يستدعي منا وقفة تأمل ونحن نبتهج بنهاية الحجر الصحي وعودتنا إلى حياة ألفناها وأصبحنا لا نتردد أن نقول: عودتنا إلى الحياة العادية.

إن ما ينبغي استحضاره الآن هو مدى استعداد الناس بعد طول التزام – قد سماه الكثيرون حجرا ومنعا- إلى استمرار الحجر اختيارا؟

إن حقيقة ما نحن بصدده مراعاة للحال والمآل أننا مطالبون باستمرار مقتضيات الحجر لكن في ظل رفعه، وبمستوى أعلى من معايير الوقاية والاحتراز، أي أننا أمام حجر صحي اختياري، وكل واحد منا طبيب نفسه، صحيح رفع الحجر الصحي الرسمي لكن واقع الحالة الوبائية بالبلاد ينبئ بانتقالنا من حجر إلى حجر من حجر اضطراري مكلف اقتصاديا، إلى حجر اختياري قد يساعد في إنعاش دورة الاقتصاد.

ليس سرا أن لسان حال الحكومات عبر العالم وهي تعلن رفع الحجر الصحي – الذي فرضته على شعوبها لأشهر مضت ضمانا للحد من انتشار عدوى الفيروس –  هو: لا يمكننا تحمل تبعات انهيار اقتصاديات الدول أكثر من هذا، ولا نستطيع الاستمرار في دعمكم وتأمين احتياجاتكم مع إبقاءكم بمنأى عن الوباء وأن عليكم مشاركتنا المسؤولية في كل ذلك، فرفع الحجر ليس إيذانا برفع الوباء ولا بانتهاء أمد البلاء، رفع الحجر لا يعني إقامة الولائم ولا معانقة الجيران والأحباب بقدر ما هو ضرورة فرضها الواقع الاقتصادي المنهار عالميا ليضعنا أمام تحدي التعايش مع وباء بالكاد تقوى وأظهر أنيابه وبدأت تظهر خلاياه النائمة، فإما أن نُظهر وعيا بنفس مستوى حدة وشراسة الوباء فنهنأ برفع الحجر، وإما أن ننساق خلف أوهام البراءة والاستبراء من الوباء فيكون رفع الحجر بالنسبة لنا كحصان الإغريق لشعب طروادة.

نحن اليوم ولا شك أمام ثلاث حقائق لاتتخلف واحدة عن الأخرى ولا تظهر واحدة استعدادها للتنازل للأخرى،حقيقة الإكراه الاقتصادي الذي أرهق كاهل الدولة فاضطرها إلى رفع يدها ومحاولة إشراك أفراد المجتمع في مسؤولية مواجهة الوباء، وحقيقة الضرر الاقتصادي الذي طال عددا من الأسر الذين قل أو انعدم دخلهم طوال مدة الحجر ولم يستفيدوا من دعم الدولة لسبب أو لآخر، وحقيقة استمرار الوباء.

وبإلقاء نظرة سريعة على ما تتداوله مواقع التواصل الاجتماعي يرى شغفا وتعطشا استعدادا للانخراط في مجريات الحياة اليومية بشكل يبعث على الخوف من انتكاسة وبائية قد لا نستطيع تحمل نتائجها، ولا مجاراة تداعياتها في وقت يشهد فيه العالم عودة دول إلى الحجر الصحي بعد تجربة رفعه كما حدث أول أمس الثلاثاء في  وستفاليا شمال نهر الراين بألمانيا.

إن خطوة مماثلة -رفع الحجر-الآن لا تخلو من مخاطرة ومغامرة خصوصا على مستوى انتقال الفيروس إلى مناطق استطاع القائمون عليها من رجالات هذا الوطن إلى يوم الناس هذا أي يُبقوها بعيدة عن الوباء فلم تسجل فيها ولو حالة واحدة منذ ظهور الفيروس ببلادنا كمدينة السمارة -حفظ الله أهلها-

ليس الوقت وقت تخويف ولكنه بالضرورة ولا شك وقت تنبيه، ينبغي أن نعلم أننا أمام اختيارات مصيرية فردية ابتداء فإما أن تدرك حقيقة رفع الحجر فتسلم ويسلم معك من تقود وإما أن تجد نفسك ضمن سجل لوائح من قضوا في وباء كورونا عافانا الله وإياكمو وقانا شر تهور بعضنا.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 2 = 1