الدكتور رضوان غنيمي : أمة لا يقام فيها للمعلم وزن هي أمة حكمت على نفسها أن تكون في ذيل الأمم

المنبر المغربية : الدكتور رضوان غنيمي أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر اكادير

إن من أعظم منن الله تعالى على الإنسان من حيث هو إنسان أن أنعم عليه بنعمة العقل وجعله مناط التكليف، ثم أمر بالتعلم وجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولعل انتساب الناس إلى الكتاتيب القرآنية والمساجد والزوايا والمحاظر قديما والمدارس بصورتها المعروفة حديثا خير دليل على فطرية طلب العلم لدى العرب المسلمين خصوصا، كما دل على ذلك كلام غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب ” والإنسان يقضي العجب من الهمة التي أقدم بها العرب على البحث، فالعرب كانوا إذا دخلوا مدينة صرفوا همهم إلى إنشاء مسجد وإقامة مدرسة فيها فإذا كانت المدينة كبيرة أسسوا فيها مدارس كثيرة” ..

ونحن على بعد أيام قلائل تفصلنا عن انطلاق الموسم الدراسي الجديد الذي نستقبله هذا العام كما استودعناه الموسم الماضي في ظروف استثنائية تعصف بالأرواح والأموال، يعود إلى ساحة الفكر والمعرفة موضوع حاجة المجتمعات إلى العلم والمعرفة حلا وحيدا لنستفيق من سباتنا لعلنا نسير في أثر الأحياء من أهل الدنيا، لأن واقع حالنا أننا عار على أسلافنا، كيف لا والطب النفسي الذي ظهرت بوادره الأولى في ابريطانيا سنة 1751م كان العرب قد عرفوه بل وعالجوا مرضاه وجعلوا له أجنحة خاصة في مستشفياتهم وقد سموها تسمية عميقة في معناها دالة على رقي في التعامل مع هؤلاء المرضى، كانوا يسمونها: جناح الأبرياء، ومثل ذلك في ارتباطهم بالكتاب قراءة ومصاحبة، وقد تناثر في كتب التاريخ والسير أن مكتبة واحدة بالأندلس كانت تحوي 600000 كتاب في القرن العاشر مقابل مائتي كتاب في عموم أوربا مجتمعة، في حين ذكرت بعض الإحصائيات أن أمريكيا واحدا يقرأ ما يساوي معدل ما يقرأه مائتي عربي اليوم، لم هذا التحول المخزي يا ترى وربنا يخاطب آحادنا فيقول اقرأ؟.

فالمعلوم أن واقع الناس هو ثمرة ثقافتهم، وثقافتنا اليوم قد تماهت مع الجهل وأخلصت له الصحبة حتى أصبحنا ونؤصل له فسرى على السنة بعضنا -وهم الأكثرية- “العلم في الراس وليس في الكراس” وهي مقولة منكرة باطلة تصادم الشريعة في عمقها لما تدعو إليه من هجر الكتاب، فقتلنا بذلك روح الإبداع في كُتّابنا وزهدوا في الكتابة بل وهجروها، هل يعد عيبا بيننا اليوم أن يصل الواحد منا سن العشرين أو الثلاثين ولم يقرأ كتابا؟ هل يعد عيبا في ثقافتنا خلو البيت من مكتبة؟ قطعا ليس عيبا عند السواد الأعظم من الناس، لكن في المقابل هل تقبل ثقافتنا بيتا ليس فيه تلفازا؟

أترك لك أيها القارئ الكريم الإجابة عن هذا السؤال وأقول: إن الحديث عن نهضة مجتمع بمعزل عن النهوض بمستوى التعليم فيه هي ضرب من الجنون، كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، فإذا تحققت النية في هذا النهوض فينبغي أن نعلم أن ذلك لا يتحقق إلا بتظافر جهود أركان وأعمدة العملية التعليمية التعلمية على حد سواء، والأمر هنا يتعلق ب:

1_ مسؤولية الآباء وعموم المجتمع: ويمكن إجمال هذه المسؤولية في غرس حب وتقدير العلم المعلم في نفوس أبنائهم، نعم المعلم الذي ظهرت مكانته وحاجة الناس إليه في جائحة كوفيد 19 فالأصل أن الحاجة إلى المهم والأهم تظهر في الشدائد أما حالة الرخاء فليست معيارا، وقد صدق الشاعر حيث قال:
إِن المعلمَ والطبيبَ كلاهُما * لا ينصحانِ إِذا هما لم يُكرما
فاصبرْ لدائكَ إِن أهنتَ طبيبَهُ * واصبرْ لجهلكَ إِن جفوتَ مُعَلِّما

ولعل من مظاهر وصور هذا التكريم للمعلم أن يحفظ له قدره وأن تصان كرامته وان يُشرك في إبداء رأيه فيما يتم تنزيله من قرارات ذات صلة بالعملية التربوية خصوصا في الجزء الأخير منها وهو الذي يُقَدَّمُ للمتعلم حتى لا يشعر المعلم أنه مجرد وسيلة لتصريف الأعمال فإن كانت النتيجة حسنة فلنا وإن كانت الأخرى فالمعلم المُذنب كما وقع مع جساس بن مرة حيث يقول:

وَإِذا تَكونُ كَريهَةٌ أُدعى لَها            وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندَبُ

هَذا لَعَمرِكُمُ الصَغارُ بِعَينِهِ              لا أُمَّ لي إِن كانَ ذاكَ وَلا أَبُ

لقد أدرك سلفنا أهمية تعظيم شأن المعلم في نفوس أولادهم فاستطاعوا بالفعل أن يصلوا ذاك المستوى الذي نتغنى به نحن اليوم تسلية لأنفسنا وتغطية لضعفنا، أم الإمام مالك ترسله ليتعلم عند شيخه ربيعة الراي فتوصيه قائلة: “اذهب إلى مجلس ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه”.

حينما تضع هذه الصورة الراقية المجلة للمعلم جانبا، ثم تقابلها بصورة معوجة صورنا فيها المعلم محور النكات المضحكة، تفهم حينها الفرق بين مستوى التعليم في السابق وحاله اليوم، حينما تجد مخلوقا هلاميا هجينا قد فتحت له الدنيا أذرعها فعاث فيها يمينا وشمالا يخاطب ابنه على مائدة الفطور صباحا قائلا “إذا عاد ذاك المعلم ثانية فخاطبك بما لا يعجبك فأخبرني وسيعرف من انا” تفهم لم لا يستفيد المتعلم من معلمه، كيف لمتعلم أن يستفيد من شخص قد اقتحمته عينه وهان عليه أمره؟

2_ مسؤولية المعلم: إذا فقه المعلم حقيقة رسالته وقدر مسؤوليته فقد فزنا، فإذا كان العلم والتعلم من آكاد الواجبات الشرعية والضرورات الحياتية التي بها يصلح عاجل الناس وآجلهم، وإذا كان الله تعالى لم يأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالاستزادة من شيء إلا من العلم فقال تعالى” وقل رب زدني علما” فإن ذلك يعني أيها المعلمون أنكم أوعية العلم به حزتم الفضل وإن أنكر فضلكم الجاحدون، اعلموا أن وظيفتكم هي وظيفة الأنبياء في إنارة العقل إن أخلصتم، يقول صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت معلما”

فالمعلم قدوة يُحتدى ومثل حسن يُقتدى به، لكن من وضع نفسه في موطن شبهة فلا يلومن الناس في تهمته.

إن المعلم ولا شك أولى الناس بالتقدير وأحراهم بالاحترام، وأمة لا يقام فيها للمعلم وزنا هي أمة لا خير فيها، بل بئس أمة يُسكتُ فيها عن إهانة العلم وأهله، أمة يُستهزأ من معلميها هي أمة حكمت على نفسها أن تكون في ذيل الأمم ومن كان في ذيل الأمم ذُلّ.

عظموا شأن المعلمين في قلوب أبنائكم.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 74 = 81