الدكتور رضوان غنيمي: الوطنية مظلة الجميع والعبرة بالفاعلين لا بالمنتسبين

المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بجامعة بن زهر بأكادير ..

لقد حث القرآن الكريم على وجوب الاستشهاد بقصص المتقدمين وسير الأولين، استجلاء للعبر منها قال الله تعالى: “لقد كان في قصصهم عبرة” بل يدعونا القرآن للاعتبار من تقلب الليل والنهار واستخلاص العبر من الأمم والشعوب كيف قامت؟ وكيف تنهار؟

لأجل ذلك لم يكن دأب العقلاء، ولا منهج الألباء الأذكياء أن تمر بهم الذكريات والمناسبات دون أن يقفوا عند ما تحمله من دروس وعبر يمكن الاسترشاد بها في المستقبل،وقد أظلتنا مناسبة عظيمة كانت مقدمة مباشرة لينعم المغاربة بنعمة الاستقلال، تلكم النعمة التي لا تعدلها نعمة إلا نعمة الإيمان بالله، والناظر في ناموس الكون يرى أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يجعل الله لكل شيء سببا ولكل نجاح بداية، وإن استقلالنا كانت بدايته تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال التي يخلد المغاربة ذكراها في الحادي عشر من ينايرمن كل عام، يستحضرون من خلالها تضحيات آبائهم وأجدادهم خلف قيادة حكيمة لملك ذاق مرارة الاستعمار فتماهى نبضه مع نبض شعبه فتوحدت بذلك الرؤية، وتوحد المقصد فأنتج لنا كل ذلك ملكا وشعبا تاقت نفوسهم إلى الحرية والانعتاق من ربقة التبعية المباشرة لقوى الاستعمارالذي نكّل بهم، فقتل من طالتهم يده من شرفاءهم، واعتقل المناضلين الأحرار منهم إلا من حالت مشيئة الله بينه وبينهم، وبسط من ثَمَّ يده على خيرات البلاد ومقدراتها، بل وسارع إلى استنزاف ثرواتها كما هي عادة الاستعمار أو الاستخراب كما يصفه البعض، في الحقيقة ليس غرضي في هذه الكلمات أن أذكّر بجرائم المستعمر، ولا أن أعيد سرد أحداث سجلها التاريخ إما لأصحابها أو عليهم، وإنما غرضي التعرض لقضية أرى أن لها من الأهمية بمكان ما يجعل إثارتها والوقوف عندها أمرا مطلوبا بخصوصه لما ينبني عليها من آثار بالغة الأهمية من حيث ارتباطها بمستقبل شبابنا وناشئتنا، وتأثيرها في فهمهم وتصورهم للقضايا الوطنية، ذلك الفهم المنشود الذي افتقدناه للأسف في بعض جيل ما بعد الاستقلال، وغرضي التساؤل عن أسباب فقدانه في وقت نرى اعتزاز الناس بهوياتهم وحرصهم على إعلاء شأن أوطانهم في أنفسهم وأمام الأغيار، وإلا فثمة خطر يتهدد الشخصية المغربية التي أصبحت الهوة تتسع بينها وبين تاريخها، وأمجاد وطنها، بل بينها وبين  المواطنة الحقة.

إنه من اللازم التفريق بين الوطن وقيم الوطنية، وبين وضعنا داخل هذا الوطن، إذ ليس من الإنصاف في شيء تحميل الوطن وزر المواطنين، وهو الخطأ الشائع الذي اعتبره الكثيرون معيارا وميزانا لحب أو بغض الأوطان، فربطوا الولاء للوطن بمدى استفادتهم منه وهذا لعمري الظلم البين، ولو كان حب الأوطان والاعتزاز بها وإظهار الفخر بالانتساب إليها لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالتنكر لمكة وبغضها وقد أخرج منها وأبعد عنها، بل ولحقته لعناتها والأذى منها وهو في أرض أخرى، والحقيقة أن الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة لا مكة، والذي ضيق عليه عيشه فيها أهلها لا هي، وقد عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وفهمه فلم يحمل على مكة ذنب أهلها، بل قال صلى الله عليه وسلم يخاطبها: ” ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجونِي منك ما سكنت غيرك”

قد لا أكون مبالغا إذا قلت: أن السواد الأعظم من المتتبعين لشؤون الشباب يجمعون أن الفساد الذي استشرى اليوم في أغلب القطاعات مردّه على التحقيق إلى أفول نجم الوطنية الحقة عن واقع الحياة اليومية للناس، وسبب هذا الأفول راجع إلى تلك القطيعة المنكرة التي أصبحت بينهم وبين ماضيهم، وتاريخهم، وبطولات وأمجاد ملوكهم وأجدادهم، ولعل التطلع إلى المستقبل في ظل تجاهل الماضي،وعدم استحضاره واستصحابه منهج خاطئأنتج لنا جيلا هجينا فسلا ضعيفا، رغم ما يمتلكه من الماضي العريق،إن ما يقع اليوم هو مسؤوليتنا جميعا أفرادا ومؤسسات، وإن التاريخ لا ينسى، كما أن الواقع لا يرحم، فإما أن نكون أو لا نكون في وقت تتسارع فيه المعلومة ويتسع انتشارها، وإن الدراسات الاستراتيجية على مستوى الشعوب والمجتمعات تقاس بمدى حضور قيم المواطنة في نفوس وواقع شبابها.

إننا اليوم ولا شك ونحن نستحضر هذه الأحداث والذكريات العظام، -ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال- أمام تحد كبير لنخرجها من مجرد كونها أحداثا سجلها التاريخ، إلى أن نجعل منها نبراسا لحياتنا نسترشد به الطريق،نحتاج أن يُردد على مسامع ناشئتنا ما لاقاه الآباء والأجداد من تعذيب وتنكيل على يد المستعمر، حتى إذا ذكر لهم الاستقلال عقلوه وفهموه وأدركوا جانب النعمة فيه، يقول الفاروق: “من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام” ولنا أن نقول: من لم يعرف الاستعمار لا يعرف الاستقلال.

إن من تمام سطحية غالبيتنا أن نغرس أسماء نكرة مجهولة في عقول أبنائنا ثم نتحدث بعدها عن جيل ماسخ، متمرد، والحقيقة أننا أولى باللوم والعتاب وأبناؤنا لا يعرفون أسماء رموز وطنهم، ولا تاريخ بلدهم، ولا حتى حياة نبيهم، سيساءلنا التاريخ ويذكرنا يوما بتقصيرنا في ربط أبناء هذا الوطن بتاريخهم، سيساءلكم أيها الآباء، أيها السياسيون، أيها المربون، أيها العلماء، سيساءلنا جميعا لأننا نحن من أنتج هذا الجيل.

علموا شباب هذا البلد الفرق بين من يقول مخاطبا بلده: لولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت” وبين من يقول: لولا أن قومي حبسوني فيك ما بقيت.

إن ما أنا بصدده الآن هو في الحقيقة دور الأحزاب السياسية والمشتغلين بالسياسة ابتداء، لكن حيث إن الوطنية مظلة الجميع فإن العبرة بالفاعلين لا بالمنتسبين.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


49 − 48 =