الدكتور رضوان غنيمي : فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة … وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

جريدة المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم الشرعية بالسمارة

إن ازدواجية الخطاب الإعلامي اليوم بخصوص وباء كورونا من شأنه أن يربك حسابات المواطنين، ويصعب عليهم الالتزام بما فيه خيرهم وسلامتهم،خصوصا حينما يتعلق الأمر بالإعلام الرسمي الوطني،في وقت ينبغي أن يكون هذا الاعلام أكثر حِرفية وعقلانية لتوسعة ما ضاق على الناس بتبعات ما أصابهمفغيّر حياتهم،  وإذا كان الأصل في الخطاب الإعلامي الرسمي بالإذاعات الوطنية أن يعكس رؤية الحكومة في التعاطي مع القضايا ذات الراهنية، فإن من غير المفهوم أن يرتفع صوت مذيع بخطابين متقابلين متضادين في نفس واحد، أن تكون دعوة المواطنين إلىضرورة مراعاة الإجراءات الاحترازية شيء جميل، ثم أن يعلل عدم حضور الضيوف إلى الاستوديو بسبب مراعاة الإذاعة للبروتوكول الصحي شيء أجمل،لكن أن يكون موضوع الحلقة الدعوة إلى فتح الحمامات العمومية فهذا الحمق بعينه.

هذا من أخرق ما سمعت أذناي وأنا أتابع محطة من المحطات الإذاعية الوطنية( الجهوية) والحقيقة أن هذا المثال قد يراه الكثير من الناس أمرا عاديا لا يتطلب الوقوف عنده ولا الكتابة فيه، ولعله مصيب هذا الذي يرى الأمر هكذا إذا لم يكن ممن فجعته كورونا في صديق أو حبيب أو قريب، وإذا قارن هذا الأمر بواقع حال الناس، وإلا فالأمر خطير والوقوف عنده أصبح إلزاميا لأن حقيقة الأمر أن ظاهرة بل ومصيبة ازدواجية الخطاب فيما يتعلق بالتصدي لوباء كورونا أصبح هو الغالب واستشرى بشكل يبعث على الحيرة وعدم الفهم، وحينما أتحدث عن ازدواجية الخطاب فإني اعتبر عدم الحراك أمام فعل يعارض مقتضى الخطاب خطاب، ليس الأمر لغزا ولكن من المعروف أن سكوت المسؤول في معرض البيان إقرار، والقاعدة عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فحينما نجد الخطاب الرسمي يمنع التجمعات ويجرم أصحابها ثم نراه بعد ذلك لا يُفعل الآلة الزجرية للمخالفين فنحن هنا أمام ازدواجية في الخطاب، حينما يصاغ بيان بمنع التجمعات ويدعو إلى التباعد ثم لا يُنكر على وسائل نقل عمومية تحمل ضعف حمولتها العادية ( الحافلات ) فنحن أمام ازدواجية في الخطاب، حينما تتعالى الأصوات في الاعلام عبر الوصلات الإشهارية بإلزامية تأمين مواد التعقيم في المحلات التجارية الكبرى والمقاولات بل والمؤسسات العمومية بأنواعها ثم لا تجد من يسهر على مدى احترام ومراعاة هذه التدابير وهي تُخرق جهارا فنحن أمام ازدواجية في الخطاب، في الحقيقة أعجز عن قراءة هذا الواقع، كما أعجز عن حمله على أي محمل، لم هذا البرود والنكوص عن تتبع مقتضيات البيانات والبلاغات الرسمية؟ ماهي الرسائل التي يُراد للمواطن أن يفهمها بخصوص هذا الوباء من خلال هذا التساهل ممن أوكل إليهم أمر السهر على تنفيذ البيانات والبلاغات؟ مامعنى وجود رحلات منظمة لا يحتاج المشارك فيها إلى رخصة استثنائية، في وقت يحتاج المتنقل فردا أو بمعية أسرته إلى رخصة استثنائية؟ بمعيار الإجراءات الاحترازية واستحضارا لإلزامية التباعد من الأولى بالمنع؟ السفر بمعية خمسين راكبا، أو أسرة في سيارة؟

الكلام يطول في الحالات والأمثلة التي تحمل على التساؤلات لا يمكن حصرها ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، إن حقيقة الوطنية الصادقة، وأداء واجب المسؤولية الثابتة يقتضي كشف هذه الخروقات من جهة الناظر المتتبع، والتصدي لها من جهة المسؤول.

إن ما ذكر في هذا المقال هو دعوة للتأمل لنحدد وجهتنا، ولنكاشف أنفسنا ولنتساءل عن مدى جديتنا في تحصين أنفسانا، وما أظن أني جئت بجديد، فهذا واقع يعيشه الجميع ويعرفه الجميع، لكن حالنا فيه كحال صناديد قريش يتسللون خفية لسماع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد منهم يرضى أن يُعلم عنه ذلك، وهم رؤوس أقوامهم، فإن كان هذا الذي ذكر في المقال غير معلوم لمن يتحتم في حقهم العلم به فتلك مصيبة،وإن كان معلوما فالمصيبة أكبر.

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة … وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


30 − = 21