الدكتور رضوان غنيمي : ألا يتحقق الفعل الإحساني دون توثيقه بصور؟

جريدة المنبر المغربية : بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم الشرعية بالسمارة

من الجميل ولاشك رؤية تلك الحركية  على مستوى المجتمع المدني مسارعَة إلى التفاعل الإيجابي من خلال الانخراط في مساعدة المحتاجين المعوزين الذين تلهب أجسادهم سياط البرد القارس، والجوع باعتباره أبرز مستلزماته وأخلص مرافقيه، الجوع الذي كان رسول الله ﷺيستعيذ بالله منه وقد سماه بئس الضجيع قال ﷺ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ” ولاشك أيضا أن هذا الانخراط التام، والاستجابة العفوية لنداء الضمير والإنسانية دليل قلوب رحيمة وقيم مواطنة عالية، ولا أحد من الناس يشك في دوافع هذه المبادرات، بل تُحمل جميعها على هذا المحمل الحسن النابع من رغبة عميقة في نفع الناس و مواطنة صادقة، لكن يمكن للمتتبع لهذه المبادرات المتناثرة هنا وهناك حيث الحاجة والفقر وقساوة الطبيعة، أن يلحظ فيها جانبا مظلما، تتستر خلفه أنانية مقيتة وخسة دنيئة، وفي أحسن الأحوال واستحضارا لحسن الظن يكون جهلا مطبقا من قبل بعض المنخرطين في هذه المبادرات التي يفترض فيها أنها مبادرات إنسانية إحسانية غرضها تقديم يد العون للمحتاج وإغاثة الملهوفين، إما سدا لخلاتهم أو كساء لأجسادهم، أقصد بذلك حشر أعداد من المحتاجين والمعوزين إلى لأخذ الصدقات والحرص على توثيق ذلك بالصور ونشرها، عادة منكرة مستحدثة التصقت بفعل الخير حتى صارت لا تفارقه، يتكرر المشهد عند كل موسم برد أو عيد فطر أو دخول مدرسي أو…وأصبحت عادة موسمية لأصحابها يصرون فيها على تذكير الناس

أليست قساوة الأقدار التي اقتضتها الحكمة الربانية بكافية حتى نقسم ظهورهم بأنانيتنا، وجهلنا، باستغلال حاجاتهم في تحقيق فُتاة المصالح البئيسة؟، أبلغت بالناس حقارة أنفسهم درجة المتاجرة بفقر الناس، بمرض الناس، بحاجة الناس، بسوء أحوال الناس، بمصائب الناس؟ ألا يتحقق الفعل الإحساني دون توثيقه بصور؟ وإذا كانت هذه الصور ضرورية بشكل من الأشكال لم يتم نشرها للملأ؟ أمِن الضروري أن يعلم الناس في أقاصي الأرض أنك تبرعت لفلان بلباس –مستعمل-يقيه زمهرير فصل الشتاء؟ ألا يتحقق الفعل الإحساني إلا بقهر هذا المحتاج؟ أما يكفيكم أيها الناس أن الواقع قد قهره؟ أما علمتم أن من آداب إخراج الزكاة في الإسلام أن تكون يد المعطي السفلى ويد الآخذ العليا؟ أما بلغ إلى علمكم أن من آداب إخراج الزكاة ألا يحشر الناس إليها؟ أما علمتم أن أبا بكر رضي الله عنه قضى أياما يتردد على عجوز مقعدة عمياء يكنس بيتها ويحلب شاتها ويطبخ طعامها دون أن يعلم بفعله أحد؟ ولولا حرص عمر رضي الله عنه اقتفاء أثره ومسابقته في فعل الخير لما علمنا بها، أجهلتم كل هذا أم أن النخوة، والإنسانية، وكرم الأخلاق، قد أفل نجمها من مجتمع كان مضرب الأمثال في التكافل والتعاون إلى وقت قريب؟

لا نريد بكلامنا هذا ثني جهات الخير والإحسان عن الاستمرار في خيرهم، بقدر ما نريد لفت الانتباه إلى أن حفظ الكرامة عند السواد الأعظم من المحتاجين المتعففين أولى من إشباع بطونهم أو كساء أجسادهم.

إن صورة يظهر فيها المعطي مبتسما والآخذ منكّس الرأس، مُسْوَدّ الوجه وهو كظيم لوصمة عار في جبين أمة ما استطاعت أن تنصف أبناءها، حتى انتهكت كرامتهم وتاجر الطفيليون بمآسيهم.

لقد أدرك المغاربة على مر التاريخ أن فعل الخير والمسارعة إليه وقت الرخاء من أسمى مقاصد الدين وأشرفها، و أنها مقدمة على العبادات البدنية والروحية الأخرى،ومن باب أولى في الظروف الاستثنائية التي تعرفها البشرية اليوم، وفي المقابل لم يكن يَدُر في خلد أحد أجدادنا أنه سيأتي زمن يقف فيه الرجل بصدقته ليلتقط صورا وهو يعطيها للمتصدق عليه.

إن حقيقة تديننا، وحقيقة وطنيتنا في ظل هذه الظروف العصيبة صحيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وحتى على مستوى التقلبات المناخية تظهر في ضرورة ووجوب انخراطنا جميعا في عملية التضامن والتعاون والتآزر الذي هو روح الشريعة، التي تحثنا على المسارعة إلى فعل الخير والمسابقة إليه، قال الله تعالى: “فاستبقوا الخيرات” وأي خير أعظم وأكبر من سدّ خلة مؤمن، وإشباع جوعته..، بل إن الشرع قد مدح فاعل الخير وأثنى عليه بأن جعل فعله هذا مستوجبا لحب الله له، وأي مكرمة وأي درجة عليا يمكن للعبد أن ينشدها أكثر من نيل محبة الله قال ﷺ “أحب الناس إلى الله انفعهم للناس”.

لكن بشرط أن يراعى في كل ذلك آدمية وإنسانية من نروم مساعدته حتى لا نقتله مرتين، خصوصا ذاك المتعفف الذي تُحشرجه الكلمات وقد عجز عن البوح بعمق الجرح الذي تركناه فيه بجهلنا ونحن نحسب أننا نحسن صنعا، فيلتزم الصمت لغةً لكلامه وما أبلغها من لغة.

وحين تَطغَى على الحرّان جمرتهُ    فالصمتُ أفضلُ ما يُطوَى عليه فمُ

أيها المحسنون، أيها المتبرعون، أيها الفاعلون، لا نريد مجتمعا بشق مائل،لا نريد أن نقتل في الناس اعتزازهم بذواتهم، لا نريد إنتاج جيل فسل لا ينكر منكرا، نريد بناء جيل معتز بذاته، متصالح مع مجتمعه، متسامح مع الآخر، قوي في ذاته، ولا سبيل إلى كل هذا ونحن نقتل فيه الأنفة والعزة والكرامة، ونحن نرغمه على التقاط صور له وهو يأخذ الصدقة، لأن ذلك مشروع بناء إنسان حاقد،لدى وجب على من انبرى لفعل الخير أن يعلم أن النية الحسنة لا تصلح العمل الفاسد، وحتى لا يكون ممن قال فيهم الحق تعالى “خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا” والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


69 + = 75