الدكتور رضوان غنيمي : إن إعلاما لا يجعل القيم الكونية والإنسانية والأخلاقية مرجعا له هو إعلام أبعد ما يكون عن الإعلام النزيه

جريدة المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي أستاذ التعليم العالي بجامعة بن زهر بأكادير

لا خلاف عند العقلاء أن سلطة الكلمة وقوتها لا حدود لهما، ذلك أن الكلمة قد تمد الجماد بالحياة كما أنها قد تسلبها من الحي، تأسر القلوب وتحرك مشاعرالجموع، إلى أقصى حدود طاقاتهم، بل إن حقيقة التوحيد إنما زرعت في القلوب عن طريق الكلمة وسحرها، بها يتم نقل وتبادل وجهات النظر، وإحداث التغيرات في المواقف والأفكار، فكم من عداوة نشأت بسبب كلمة فأوردت صاحبها المهالك،

قال نصر بن سيار الكناني:

فإنَّ النَّار بالعودين تُذكى  ­  وإنَّ الحرب أولها الكلامُ

وقال ابن السكيت:

يموت الفتى من عثرة بلسانه  ­  وليس يموت المرء من عثرة الرِّجــــل

وأفضل من ذلك قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّم.

ولعل أكثر المعنيين بمراعاة هذه الخطورة، الذين تنتشر كلماتهم بين الناس، وعلى رأسهم المشتغل منهم بحقل الإعلام، الذي يفترض فيه أن يسمو بكلمته وقلمه عما لا يليق من التزلف والنفاق والاسترزاق المهين لشرف هذه المهنة الجليلة في قدرها العظيمة في شأنها، الخطيرة في مآلها.

إن مهنة الصحافة ولاشك من أشرف المهن وأنبلها من حيث الدور الذي يلعبه الإعلامي داخل مجتمعه وحتى خارجه، ولعل توافر التقنية الحديثة اليوم قد يسرت نقل المعلومة وتقاسمها بشكل جعل إلى حد ما عددا كبيرا من الناس يضطلع بهذا الدور وليس هو له بأهل فحقيقة الأمر أنه ليس كل من قرأ الكتاب فهيم، وليس كل من امتلكآلية نقل وإنتاج المعلومة إعلامي، ذلك أن أخلاقيات هذه المهنة تتطلب من النزاهة والشرف واحترام الذات و احترام الآخر ما يجعل امتلاك ناصيتها وقفا على من تشبعت نفسه بالقيم الإسلامية والحضارية التي من شأنها أن تمنع صاحبها عن الزيغ وتحول بينه وبين السقوط في مستنقع الاسترزاق المقيت القائم على المتاجرة بمصائب الناس والتكسب بأعراض الأبرياء.

إن المتتبع للشأن الإعلامي ببلادنا يلحظ في جزء كبير من مكوناته انتكاسة أخلاقية تنم عن جهل كبير بالمحددات الأخلاقية المؤطرة له، بشكل جعل مظاهر الاسفاف والابتذال المنتشرة في المجتمع احتشاما تتغذى على هذا المضمون وتتقوى به لتتجاوز مرحلة الاحتشام إلى مرحلة العلن حيث اكتساب المشروعية، إن إعلاما لا يجعل القيم الكونية والإنسانية والأخلاقية مرجعا له في التعاطي مع المعلومة نقلا ونشرا وإنتاجا وتحليلا، هو إعلام أبعد ما يكون عن الإعلام النزيه المدرك لحقيقة وخطورة الكلمة، وإعلام ُيسهم قصدا أو جهلا في إضعاف مؤسسات وطنه حقيق به أن يراجع خارطة طريقه ليعلم أنه قد أبعد النجع وفارق الجماعة وجعل من نفسه معول هدم في وقت يفترض في الإعلام أن يكون لبنة بناء، غير آبه بما يبثه في الناس من سموم ما دام يحقق له مصلحة آنية قد تتمثل في ارتفاع نسبة المبيعات أو عدد المشاهدات من طرف فِطر مريضة وأهواء شاذة وآذان ألفت الزور وتاقت إلى الفضيحة حتى أصبحت هذه الكلمة من الكلمات المفاتيح لدى العديد من المنابر الإعلامية التي تتغذى على الفضائح والمصائب والكوارث والمآسي، إن حضور قصد الاسترزاق بطرق مهينة في الفعل الإعلامي يمثل نقطة سوداء ووصمة عار في جبين الحقل الإعلامي بهذا البلد، ألا يفكر هؤلاء في واجبهم تجاه هذا الوطن؟ أما بلغ هؤلاء قول الله عز وجل ” ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”؟ أما علموا أن الرزاق هو الله، وأن الأسباب باختيار المكلف؟




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


86 − = 79