الدكتور رضوان غنيمي : آن الأوان لتُخرسَ أصوات التفاهة، والإسفاف، فإنما ترقى المجتمعات بعقلائها لا بسُفهائها

المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..استاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر أكادير

ماتزال الظواهر المجتمعية السلبية تتناسل من رحم الابتذال والاسفاف تنشد الاسترزاق بكل ما يمكن أن يكون وسيلة لتحصيل المال، بغض النظر عن مدى ملاءمتها للقيم الدينية والأعراف المجتمعية والكرامة الإنسانية، قد يقول قائل ليس هذا وليد اليوم، ولطالما وجد في الناس وبين الناس أشباه الناس، أقول نعم لكن لما كان ذلك طي الكتمان كان ضرره أخف، أما وقد أصبح محل مجاهرة، ومضمار منافسة فقد تضاعف خطره وانتشر سمه ليسري في أوصال الأمة يقطع أحشاءها، والناظر المتتبع لهذه الانتكاسات الإنسانية المتزايدة بالمجتمع المغربي يلحظ فيها خَلقا وإبداعا مستمرا بوثيرة تضاهي استمرار تطور المعرفةلدى العقلاء، فهذا ينشُد شُهرة مُدِرّة مُلَوثة بعار دياثة تنزل بآدميته إلى مصاف ما دون الحيوان، وذاك وضع قضايا وطنه سلعة يخطب بها وُدّ من يدفع أكثر من أعدائه وما بلغه قول القائل “خائن وطنه كسارق مال أبيه ليعطيه للص، فلا اللص يكافئه ولا أبوه يسامحه”، وأخرى قد غرّها كثرة المعجبين بتفاصيل جسدها من مرضى النفوس وقد تفننت في إبرازها،فهي على استعداد دائم لتلبية رغبات معجبيها الوهميين، لكن لابأس فهي تعلم أنهم كذلك، لكن المهم أن يسجلوا إعجابهم لحظة انتشاء قد تقصر ولا تطول، حتى وإن لعنوها وقت صحوهم لأنها تعلم أن صحوتهم لا تدوم،ولن تطول، وما أظن -حسب علمي- أن المغاربة عاشوا هذه الانتكاسات الأخلاقية التي أظهروا من خلالها استعدادهم لفعل أي شيء، وقول أي شيء، مقابل كسب مادي مهما كانت قيمته، لكن للأسف واقع حال فئة تحسب على المغاربة اليوم -وإن قلت- تسيء إلى هذا الشعب الذي طالما قاد ركب العزة والكرامة والأنفة، وحتى نكون منصفين مع هذه الفئة، وإظهارا منا لحسن النية، في قراءة وتحليل هذه الانزلاقات الأخلاقية الخطيرة التي جعلت من وسائل التواصل الاجتماعي مرتعا لها ندعوا لهم بالشفاء العاجل من هذا الذي طَرَقَهُم لأن ما يصدر عنهم لا يصدر عن سوي، في الحقيقة حاولت جاهدا أن أفهم المقصود من آفة ما يسمى -روتين يومي- لكن دون جدوى يأبى عقلي أن يستوعب غير كونها وسيلة مبتذلة ساقطة للاسترزاق.

إن حقيقة الإشكال والخطورة لا ينحصران في مجرد هذا الفعل الذي قد يتلبس به العشرات أو المئات،بل المأساة تكمن في الآلاف وربما الملايين الذين يتابعون ويشاهدون ويشجعون.

كل هذا يستدعي تدخلا عاجلا للأخصائيين النفسيين وعلماء الاجتماع للتصدي لهذا المد المتنامي من صناعة التفاهة والتجهيل، والاسترزاق بالخواءالتي تمثل بحق أفيون المجتمعات.

إن حقيقة طغيان المادة على قيم ومبادئ الناس أصبحت تدق ناقوس الخطر في أعلى مستوياته تجاه ما أصبح يسعى إلى تسفيه وتخدير عقول شبابنا بشكل ممنهج في وقت تزداد فيه الحاجة إلى خلق وعي مجتمعي لمواجهة مخططات المتربصين بهذا الوطن، بعد أنخرجت من ظل الكتمان إلى ضوء العلن.

إن المرحلة الآن تستدعي تحرك الغيورين العقلاء، الألباء، العلماء، الشرفاء، وانخراطهم في تأطير وتوجيه كفايات أبناء هذا الوطن، بشكل يرقى إلى مستوى تحديات المرحلة الراهنة، وقد آن الأوان لتُخرسَ أصوات التفاهة، والإسفاف والابتذال، فإنما ترقى الأمم والشعوب بعقلائها لا بسُفهائها.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


91 − = 85