الدكتور رضوان غنيمي : شهر رمضان مرحلة انتقالية فاصلة بين ماض جريح ومستقبل أمل .

جريدة المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر أكادير ..

أجمع علماء الأمة قديما وحديثا على أن هذا الدين قائم على محض الاتباع في مجال العبادات ليس تعطيلا للعقل ولا حجرا عليه، ولكن لأن المشرع أعلى وأعلم بمراده من العبادة التي خاطب المكلف بها، لأجل ذلك كان المطلوب من المكلف أمام هذه العبادة مجرد فعلها وإن لم يعقلها، أو يعي عللها، بل حتى لو رام المكلف تحقيق ذلك ما استطاع، ومن آكد العبادات التي أظلنا زمانها صيام شهر رمضان، الشهر الذي يعتبر في حياة المسلم نقطة فاصلة بين ماض مظلم مثقل بالخطايا والتقصير، وحاضر مشرق كله أمل في التخلص من هذه الأثقال، وإلا فما له إلا الجوع والعطش والندم كما دل على ذلك حديث رسول الله ﷺ حين يقول: “رَغِمَ أنفُ رجلٍ دخلَ علَيهِ رمضانُ ثمَّ انسلخَ قبلَ أن يُغفَرَ لَهُ” .

شهر رمضان شهر تنقية النفس من عوالق الحياة وصوارفها، شهر محاسبة النفس، وفرصة كفها عما ألفته من كل خلق بغيض يدنس آدميتها، بل من تمام دلائل عدل الله عز وجل أنه لما شرع الصوم عبادة جعل مضمار التنافس فيه متاحا لعموم عباده كل حسب طاقته وجهده ومكمن قوة تدينه، فجعل فيه للغني حظا للتجارة مع ربه، قال ﷺ: “مَن فطر صائما كَان له مثل أجره، غير أنه لَا ينقص من أجر الصّائم شيئا” .

كما جعل الله عز وجل لقارئ القرآن حظا قال ﷺ: «الصّيام والقرآن يشفعان لِلعبد يوم الْقيَامة، يقول الصّيَام: أَي رَبّ، منعته الطّعام وَالشّهوات بالنّهار، فشفّعني فيه، وَيقول القرآن: منعته النوم بِاللّيل، فَشفّعنِي فيه، قال: «فيشفعان”.

كما جعل الله تعالى للقائم حظا قال ﷺ: ” من قام رمضان إِيمانا وَاحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبهِ” .

حقيقة الصيام في هذا الشهر الكريم أبعد بكثير من مجرد كونه حبسا للنفس عن المباح من الشهوات، وليس من السهل إدراك قيمة هذا الشهرما لم نفقه فضائله التي أشار إلى بعضها رسول اللهﷺ في قوله: “قدْ جاءَكمْ شهر رمضان، شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، يفتح فيه أبواب الجنةِ، ويغلق فيه أبواب الجحيمِ، وتغلّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرَها فقد حرم”.

لقد اقتضت الحكمة الربانية أن يطبع شهر رمضان للمرة الثانية على التوالي بطابع تداعيات هذا الوباء،وقد ذاق الناس مُرّ آثاره السلبية على طول سنة بأكملها منذ تسجيل أول حالة بالبلد، كما وقف الناس على حقيقة معنى الحاجة ولربما معنى الجوع الذي يعتبر مقصدا من مقاصد الصيام، ولعل هذا الوضع الاستثنائي يسهم في ترقيق قلوب الناس لعلهم يعودوا إلى حقيقة هذه العبادة وروحها لينتقلوا من عادة الصيام إلى عبادة الصيام.

تقبل الله صلاتنا وصيامنا وقيامنا ورفع الوباء عنا .




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


12 − = 8