الدكتور رضوان غنيمي : حتى نرقى بصومنا عن صيام غيرنا

المنبر المغربية .. بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر أكادير

من المعلوم ولا شك أن تغير الزمان والمكان والأحوال في الحقيقة هي رسائل الله إلى خلقه، يعتبر بها من كان له قلب أو به بقية حياة، وقد ابتلينا اليوم بمرض الغفلة عن رؤية واقعنا، فتبلدت مشاعرنا واستوحشت أرواحنا، فما استفدنا من علمنا وما فقهنا حقيقة ما يجري حولنا، فظهرت الفجوة بين العلم والعمل، وهو شيء من أشد ما يُحزن له، لأن الغفلة واحد من أخطر أمراض القلب التي تفسد على المؤمن دنياه وأخراه، وقد أدرك الرعيل الأول من الصحابة هذه الحقيقة فكان منهم ذلك الحرص على اغتنام أوقات الطاعات يقول ابن مسعود رضي الله عنه:

ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي”

لكن مع ذلك تتخللنا رحمات الله عز وجل من خلال مواسم الخير والطاعات وفي سائر العبادات،ذلك أن للعبادات في الإسلام كبير الأثر في تهذيب النفوس وتزكيتها، واستقامة سلوكها، بل والسمو بالروح لترقى إلى مستوى التكريم الإلهي الذي خصها الله تعالى به، فضلا عن كونها مناسبة مستمرة متجددة للإقبال على الله تعالى والعودة إليه، ومن المعلوم أيضا أن الأصل في هذه العبادات أنها صلة مباشِرة تجمع العبد بمولاه، كما تعتبر عربون وعلامة التزام العبد بتعاليم دينه، وعلى أساسها يمكن التفريق بين الطائع والعاصي، وجماع الأمر أن العبادة تؤطر لنا تلك العلاقة العمودية بين الخالق والمخلوق، كما تؤثر وتوجه وتؤطر العلاقة الأفقية بين الإنسان وأخيه الإنسان، فهي الملاذ الآمن للنفس المتعبة التي أنهكتها صوارف الحياة، فسلبتها استشعار حلاوة التقرب إلى الله والتذلل إليه، وقد أظلنا زمن محطة إيمانية عظيمة، فكان استقبالنا لشهر رمضان للعام الثاني على التوالي مطبوعا بتداعيات هذا الوباء الذي مازال يتربص بالإنسانية، في وقت اقتضت الحكمة والإرادة الإلهية ألا يُدركها الكثير ممن واريناهم التراب، فنحن إذا بصدد فرصة ومنحة ربانية يمكن أن نَفْصِلَ بها بين ماض أثقلته جراح المعصية، وحاضر مشرق بنور وعد رسول الله ﷺللناسوهو يبشرنابمغفرة ذنب من أحسن استقبال واستغلال رمضان قال ﷺ:

(من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” ) .

وهو وعد للتحرر من ثقل هذا الماضي، لكن ليس ذلك بالتمني ولا بكثرة تَكرار ذكره، فأنت رحمني الله وإياك أحد رجلين: إما صائم حقا، فأنت صاحب غنيمة حُقّت لك التهنئة وإما شقي تعيس محروم، مستحقللعزاء،يقول الحسن البصري:
من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه فهو محروم “.
وأحسن منه قول رسول الله ﷺ رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة. وأشد منه لأجل ذلك أنا أقول: إن استطعت أن تحسن استغلال واغتنام أوقات هذا الشهر، ويجب عليك أن تحسن اغتنامها فإنك إذا لسعيد،أما إن كانت الأخرى لا قدّر الله فإنك الأحق بالعزاء.
عبادة صيام شهر رمضانعبادةعظيمة النفع جليلة القدر، تلكم العبادة المؤثرة في حياة المسلم روحيا وخلقيا واجتماعيا وصحيا…كيف لا وهي التي اجتمع فيها ما تفرق في غيرها، حتى وجدنا الحق سبحانه وتعالى ينشد منها تحقيق التقوى وهو مقصد قد تُسخّر لتحقيقه جميع باقي العبادات قال تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )

ولعل مردّ هذا الأمل في عبادة الصيام راجع بالأساس إلى هذه الجوانب الروحية والخلقية والإنسانية والاجتماعية والصحية التي تستهدفها، لأجل ذلك كانت عبادة الصيام عبادة اجتماعية في عمقها توطد علاقة الناس بالناس، وإن بدت فردية في ظاهرها، يخاطب بها آحاد الناس كل مكلف في خاصة نفسه، لكن حينما نمعن النظر  في حقيقتها، وفي روحها وفي مقاصد تشريعهاندرك أنها عبادة اجتماعية بامتياز،ذلك أن جميع ما يطالب به الصائم مما من شأنه أن يرفع من شأن صيامه نجده يصب في خانة خدمة الجماعة التي تحيط بالصائم،فالحديث عن صيام الجوارح يقتضي بالضرورة استحضار الآخر الذي تُحجم عنه الجوارح فلا يصله منها أذى، فغض البصر عن النظر إلى ما لا يجوز، متعلق بالآخر المنظور إليه، وصون السمع متعلق بما يصدر عن الآخر، وكف اللسان إنما هو عن تناول الآخر سواء أكان شاهدا أو غائبا، وكف اليد يكون بمنعها عن البطش بالآخر، وهكذا فلا يصدر عنه من القول والفعل إلا ما يليق بحال من قربه الله منه وأدناه، وخصّ له يوم القيامة بابا إلى الجنة لا يدخلها غير الصائمين، فإذا دخلوا أغلقت فلا يدخلها غيرهم، قال ﷺ:

(إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)

فمن رام اكتساب خلق الرحمة فعليه بالصوم، ومن سعى إلى اكتساب خلق العطف فعليه بالصوم، ومن قسا قلبه فعليه بالصوم، ومن رام السمو بروحه فعليه بالصوم، ومن تاقت نفسه إلى التزكية والصفاء فعليه بالصوم، ومن غالبه الصبر فغلبه فعليه بالصوم، ومن استبدت به الدنيا فسحبته إليها وسجنته فيها فعليه بالصوم، فالصوم وصفة ربانية متكاملة لمن أراد الترقي في سلم الكمال الإلهي، حتى نرقى بصومنا عن صيام غيرنا.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


9 + 1 =