الدكتور رضوان غنيمي : عامان هجريان بطابع كورونا ..ماذا تغير في قيم الناس؟

بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..استاذ التعليم العالي بكلية متعددة التخصصات بالسمارة

من المحطات المشرقة في تاريخ هذه الأمة حدث الهجرة النبوية الذي استقبل به المسلمون تاريخا جديدا، وواقعا أرحب، ومجالا أوسع لممارسة التديّن والدعوة إلى الله تعالى، فقد أقام الله عز وجل بها الحجة على العباد فجعل الأرض واسعة لمن أراد تحقيق العبودية له تعالى، ففتن في بلده أو منع، فقال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا”

نعم إنه الحديث عن عام هجري جديد، ثم الحديث عن شهر محرم الذي نهانا الله عز وجل أن نظلم فيه أنفسنا، وظلم الغير و لاشك ظلم للنفس لما في ذلك من تعريضها للعقاب، شهر نجىّ الله تعالى فيه موسى من فرعون، فنحن ولاشك في رحابة قداسة الزمان التي كانت لهذا الشهر وغيره وستبقى إلى يوم القيامة، قداسة تتبرأ منا ولا تنفك تساءلنا عن مدى إدراكنا لها، بل مدى إدراكنا لحقيقة ما هو مطلوب منا بصفة آدميتنا، وما تقتضيه من إظهار عبوديتنا لله عز وجل في زمن يجمع بين تاريخ القداسة وراهنية الابتلاء والبلاء، نستحضر مناسبة عام هجري جديد بكل حمولاته التاريخية المشرقة في تاريخ هذه الأمة للمرة الثانية بطابع تداعيات كوفيد 19 ليس قصدي أنه يمر في هدوء قاتل، وليس قصدي أيضا أنه يمر وعدد كبير من المسلمين لا يعلمون به وبدلالاته إذا ما تجاوزنا مواقع التواصل الاجتماعي ، وليس ذلك مُهمّا على كل حال، وبالتأكيد ليس قصدي تهافت الناس على اقتناء الفواكه الجافة وازدحامهم أمام محلات الحلويات في زمن الوباء حيث يطلب منهم التباعد في الصلوات صونا لِمُهَجِهِم، هكذا هو واقعنا مع قداسة شهر محرم زمن الوباء.

لم يكن خطر فرعون على موسى ومن معه بأقل من خطر كورونا علينا اليوم، ولعل الذي نجّى موسى عليه السلام من عدوه آنذاك قادر على أن يُنجّينا اليوم من هذا الوباء، لكن هلأدرك الناس يا ترى حقيقة الذي ينبغي أن يلوذوا به في حربهم ضد هذا القاتل الذي دهمهم؟ هل حقيقة نفزع اليوم إلى الذي فزع إليه موسى عليه السلام؟ وهو يسمع صوت الخوف واليأس من أتباعه “إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ” فيجيب بثقة المؤمن بربه “قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”.

عامان هجريان عشناهما تحت وطأة هذا الوباء ننشد الأسباب سعيا إلى الخلاص منه، حجر، طوارئ، تباعد، كمامة، تعقيم، تلقيح، ولا ندري ما قد يأتي به الغد في ظل تغوّل وتحوّر هذا الفيروس، كلها أسباب اتخذتها البشرية اليوم كتلك التي اتخذها موسى في مواجهة فرعون وهو يُعدّ أتباعه للرحيل لكن بعد أن قدم بين يديّ كل ذلك تضرّعه وإظهار ضعفه وتبرؤه من الحول والقوة مناجيا ربه “وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ ربَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ”

اعلم أيها القارئ الكريم أن الفرار إلى الله لا يكون إلا بإخلاص الطاعة لله، واليقين فيما يرجى فيه الله لكن حالنا للأسف بعيد كل البعد عن حقيقة مقام اليقين في أحسن أحوالنا، وإلا فكيف نرجو أن يُرفع عنا الوباء وألسنتنا ما تزال خائضة في أعراض بعضنا،وأيدينا متلبسة بظلم بعضنا وقد استبد بنا الغش والكذب والحقد والحسد…

كورونا أيها القارئ الكريم لم تأت لقبض الأرواح قبل آجالها، قال تعالى “مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ” وليست سوطا من الله عز وجل على ظهور عباده، ليست كورونا لعنة إلهية حلت بالبشربقدر ما ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها ناقوس خطر دُقّ بصوت عال لينبه النفوس الغافلة بعد أن باعدت طول السلامة بينها وبين خالقها، فنسيت حقيقة وجودها في هذا الكون،وتوهمت أن الغش والكذب والحسد والتآمر والنفاق ومختلف صور الظلم الأخرى أدراج لسلم الترقي في هذه الحياة، أما آن لنا حقيقة أن نرجع إلى الله؟ أما تزال قلوبنا قاسية بعد طول معاناتنا مع كورونا؟ أما آن بعد للناس أن تستفيق من سباتها وترجع عن غيّها؟ عام هجري جديد في ظل كورونا وما لانت قلوب الناس للناس؟ الكل خائض في بحث الأسباب المادية للنجاة وأغفلنا طريق التضرّع إلى الله، أعتقد أن الوقت قد حان ليُفسح المجال أمام أطباء القلوب، العلماء الربانيين لاستكمال مسيرة المدافعة لهذا الوباء من خلال محاولة لإعادة توهج شعلة الإيمان الصادق في قلوب الناس خصوصا وأن المقاربات المادية الأخرى قد أُنهكت واستُنفذتفي محاولة حمل الناس على التزام إجراءات السلامة من الإصابة من هذا الوباء ليصل معدل الإصابة أرقامه القياسية، وقد لحق به معدل الوفيات الذي جاوز عتبة المائة وفاة في اليوم، في وقت نحن مقبلون فيه على الدخول المدرسي والجامعي بعد أسابيع قليلة.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


59 + = 63