الدكتور رضوان غنيمي : حفظ الأبدان وفق ترتيب الضروريات الخمس سيّد وما دونه خادم

جريدة المنبر المغربية .. بقلم الدكتور رضوان غنيمي أستاذ التعليم العالي بكلية متعددة التخصصات بالسمارة
المتتبع للشأن الوطني في شقه المتعلق بالحالة الوبائية يدرك دون عناء منه خطورة الوضع الصحيوفقما تقدمه الوزارة الوصية في نشرتها اليومية،فقد اتخذت منحى تصاعديا في عدد الإصابات اليومية وكذلك الوفيات التي أصبحت في ارتفاع مضطّرد مخيف لتصل يوم أمس الثلاثاء إلى 123 وفاة، حصيلة ليست باليسيرة التي يمكن تجاوزها، ولا بالعادية التي يمكن تفهّمها، إننا نتحدث عن أنفساقتضت حكمة الله عز وجل أن تقضي في هذا الوباء، كل نفس تركت خلفها أنفسا يمزقها الحزن وألم الفراق، فمنهم الأب الذي ترك اليتامى، ومنهم الأم التي تركتالعجايا،فيهم الزوج الذي ترك الأرملة وفيهن الزوجة التي تركت الأيّم أو الأرمل، وفيهم الابن الذي ترك الثكلى..
في ظل هذا الواقع المؤلم المفجع – على الأقل لمحيط المصابين والمتوفين وعائلاتهم – لازلنا نعيش تسيّبا منظما لا ندري إلى أين سيصل بنا؟، فوضى منظمّة في التعاطي مع هذا الوباء حيثما يمّمت وجهك والناس إلى ما فيه حتفهم يتسابقون، وفي فعله يتنافسون، وإلا كيف نفسّر وضع مختلف وسائل النقل العمومي داخل المدن في التحام الناس فيها؟كيف نقرأ حال الناس في أسواقنا شوارعنا شواطئنا مسابحنا مطاعمنا منتزهاتنا…؟ ما ذا يتوقع الناس من تعنّتهم؟ لا أستطيع فهم سلوك الناس في معاندة المنطق؟
يمكن لكل متتبع أنيقول دون تحفظ أن الناس استسلموا لسرعة انتشار الوباء، ولشدة فتكه، حتى تردد على ألسنة الكثيرين منهم أن كورونا اليوم أصبحت كنزلة البرد في فصل الخريف تنتقل من شخص إلى آخر وإنما المسألة مسألة وقت، ولسان حالهم قول زهير بن أبي سلمى:
رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب         تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ
استسلم الناس إلى واقع رأوا ألاّ طاقة لهم على مجاراته، فأسلموا له رقابهم، ومن حيث لم يشعروا أسلموه رقاب من يحيط بهم من القريب والبعيد،وهذا لعمري العجز بعينه أو الحماقة بشخصها، فإذا تقررت هذه الحقيقة وفق واقع الحال فإننا ننتقل بخطابنا هذا إلى الجهة الأخرى، فأقول ما الغاية من التصريح اليومي بإحصائيات الإصابة والوفاة إذا كانت لا تستثمر لتتبلور في إجراءات عملية على أرض الواقع؟ ما ذا تنتظر الجهات المعنية لتتحركفي مواجهة هذا السيل الجارف الذي أصبح يَعظُم شأنه يوما بعد يوم؟  منذ أسابيع مضت ونحن نلاحظ المنحى التصاعدي في عداد الوفيات، ونسمع تحذير أهل الاختصاص من انتكاسة حقيقية منتظرة، لكن لم نر بعد ولو إجراء واحدا واكب هذه التحذيرات، وبلور هذه التخوفات في شكل قرارات إجرائية من شأنها على الأقل أن توقظ ذاك الذي مات في قلوب أولائك الذين أسلموا أنفسهم لليأس، يوشك أن ينطبع في أذهان الناس أن من أوصلته إصابته إلى أن يستلقي على السرير الأبيض في غالب الظن لا يعود، إلى متى ستظل الجهات الوصية ملتزمة الحياد لتترك الناس إلى مصائرهم؟ لقد أثبت الواقع أن قاعدة كبيرة من الناس غير مؤهلين لحفظ ذواتهم، اعلموا أن التاريخ سَيُسائلنا جميعا كل من موقعه، لأجل ذلك أقول أن الوقت قد آن إن لم يكن قد فات للتحرك بجدية أمام هذه الفوضى المنظمة التي يعيش فيها عدد كبير من الناس في تعاطيهم مع قرارات الحكومة فيما يخص مواجهة هذا الوباء ونحن على بعد أسبوعين من انطلاق الموسم الدراسي.
مما لاشك فيه أن المقاربة التوعوية التي تنتهجها الجهات المعنية لم تعد مجدية وحدها، في ظل هذا التراخي الملحوظ من جانب الكثير من المواطنين، يعضّده ويقوّيه هذا التردد الواضح من الجهات المعنية في تفعيل المساطر القانونية في وجه المخالفين، لأجل ذلك نرى أنه أصبح من اللازم البحث عن مقاربات جديدة لاحتواء الوضع، وإلا سنجد أنفسنا -كما صرح أكثر من مختص- أمام كارثة إنسانية بكل المقاييس، إن حياة الناس اليوم على المحك، وقد حرص أمير المؤمنين نصره الله منذ ظهور الوباء على تقديم حفظ الأنفس على ما سواها، لأجل ذلك سيكون من المخزي اليوم أن ننشغل بأمور عارضة الأصل فيها أنها وسيلة خادمة للإنسان لا غاية مقدّمة عليه، وإذا كنا قد احتكمنا في العديد من المناسبات منذ ظهور هذه الجائحة إلى قاعدة: حفظ الأبدان مقدم على حفظ الأديان، فإننا اليوم نحتكم إليها أيضا لنُذكّر أنفسنا أن حفظ الأبدان وفق ترتيب الضروريات الخمس سيّد وما دونه خادم.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


19 + = 29