الدكتور رضوان غنيمي: العشر الأوائل من ذي الحجة .. عشرية التسابق و المسارعة لنيل فضائلها

المنبر المغربية : بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بالسمارة

مع ثبوت رؤية هلال ذي الحجة، تكون العناية الإلهية والألطاف الربانية قد حفتنا من جديد بجميل لطفه تعالى، فما علينا معشر المسلمين إلا أن نتعرض لها علّ نفحة من نفحات هذه العشر الأوائل تصبنا فنسعد بها، خصوصا وأن التوجيه النبوي جاء صحيحا صريحا في بيان فضل العمل الصالح في هذه العشر الأوائل من ذي الحجة، فقال ﷺ “ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ” .
وهذه البشارة من النبي ﷺ بفضل هذه الأيام جاءت متضمنة لسعة رحمة الله الله عز وجل فلم يربطنا بعمل معيّن ولا بذكر معيّن ولا بعبادة معيّنة، بل جعل ميدان التسابق والمسارعة لنيل فضلها واسعا مفتوحا، كل يعمل حسب طاقته ووفق ما يجد فيه منشطه، مراعاة لمقاصد الشارع من تخصيص هذه الأيام بفضل لا مثيل له حتى اعتُبرت أفضل أيام لدنيا تحفيزا للمكلفين ودعوة مباشرة لهم لمضاعفة أعمالهم الإحسانية لأجل ذلك اتفق العلماء أن أفضل أعمال القرب في هذه العشر صدقات الخفاء، وتعهد المحتاجين والضعفاء، خصوصا في ظل هذه الأوضاع الاستثنائية التي يستقبل فيها المسلمون جميعا مناسبة عيد الأضحى بعد تداعيات متتالية لعدد من العقبات الاقتصادية التي أثرت سلبا وبشكل مباشر على القدرة المادية للأسر، مما جعل حاجة الإنسان إلى دعم أخيه الإنسان أمرا ملحا إن لم نقل، أنه انتقل من مستوى المندوب إلى مستوى الواجب، في ظل استحضار حقيقة التدين التي لا تتوقف عند مجرد الصلاة والصيام و الذكر والتسبيح -على أهمية هذه العبادات- بل تمتد لتشمل جملة من الواجبات الإنسانية الأخرى، التي اقتضت أن يحتاج الإنسان إلى غيره من بني جنسه، لتجاوز نوائب الدهر ومطبات الحياة وصنوف الابتلاء، وإن الفقر والحاجة وضعف ذات اليد رأس كل ابتلاء، لأجل ذلك تبقى حقيقة طلب فضل العشر من ذي الحجة متجسدة في قيمة فعل الخير وهو اسم جامع لكل ما يمكن أن ينتفع به الخلق على هيأة مقبولة شرعا ولا حدود لأقصاه ولا أدناه حتى اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم التبسّم في وجه الآخر صدقة، والتكافل الاجتماعي، الذي هو التزام أفراد المجتمع وتضامنهم لإعانة المحتاجين ومساعدة المضطرين، على أساس أن العلاقة بين فعل الخير والتكافل علاقة عموم بخصوص، ذلك أن فعل الخير أعم من التكافل، وعليه فكل تكافل فعل للخير، وليس كل فعل خير تكافل، ومن هنا يمكننا الحديث عن فلسفة التكافل في الإسلام، هذه الفلسفة المنبثقة عن رؤية ربانية لرسالة المؤمن في هذه الدنيا، حيث تمتزج المطالبة بالعبادة الفردية التي يعود نفعها على العابد وحده بلذة نفع الغير، فإذا تحقق هذا المقصد وجد المؤمن نفسه قد ترقى في درجات السير إلى الله، من خلال خدمة غيره فيجد نفسه من حيث لا يشعر وقد انخرط في قيمة التكافل استجابة لمقصد العبادة، لأن العبادة في حقيقتها لا تعدو كونها وسيلة لمقصد أو مقاصد، فلا خير في صلاة لا تنهى صاحبها عن منكر، ولا نفع في صيام لا يسمو بصاحبه في درجات التقوى، ولا خير في زكاة لا تطهّر النفس من الشح والبخل، وطبعا لا خير في ذلك كله مالم يكن وسيلة لنفع الناس وهذا المعنى واضح بين في قوله تعالى: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَٱعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فجعل فعل الخير متوقف على أداء العبادات الفردية.
لأجل ذلك جاء الإسلام ليحمل الناس على الاجتماع والتكاثف والتآزر، فانتقد الحياة الفردانية وذم الانعزال، حتى ولو كانت مبرراته منطقية معقولة، غرضه من ذلك قطع الطريق عما يمكن أن يرسخ لثقافة الانعزال، ولو لم نكن نعش في كنف التكافل لظهرت في المجتمع عورات كثيرة هي غير بادية لنا الآن بفعل التكافل الذي جُبل عليه المغاربة وعرف بين آبائنا وأجدادنا، إن حقيقة فرحة أداء شعيرة الأضحية لا يمكن أن تتحقق على الوجه المجلي لمقصد الشرع منها إلا إذا خالطها روح التكافل والتعاون بين مكونات المجتمع الواحد، تحقيقا لمقصد الشرع في استشعار الناس جميعا فرحة العيد من جهة، وتلبية للذة دفينة في كل قلب مؤمن لا يمكن أن يستطعمها ولا أن يستشعر حلاوتها إلا متى انخرط طواعية في نفع غيره المحتاج ..




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


79 + = 81