عطش الحدود بين أيت يمور وأكفاي، إقليم مراكش: عندما تعطل “القبلية” التوجيهات الملكية ويسير المغرب بسرعات متعددة

بقلم الأستاذ محمد اوسامة

​لطالما شدد الملك محمد السادس في خطاباته على رفضه القاطع لأن يسير المغرب “بسرعتين”، داعيا إلى عدالة مجالية وتنمية شاملة لا تستثني أحدا، وتضمن لكل مواطن حقه الكامل في العيش الكريم. غير أن ما تشهده المنطقة الحدودية الفاصلة بين جماعتي “أيت يمور” و”أكفاي” يضرب هذه التوجيهات السامية في عمقها، ويكشف عن واقع مرير يسير فيه الوطن بسرعات متعددة؛ مغرب ينعم بالخدمات والعيش الرغيد، ومغرب آخر غارق في التخلف ومحروم من أبسط مقومات الحياة، بسبب مصادرة حقوق الساكنة من طرف من لا حق ولا صفة قانونية لهم في ذلك.
​إن السبب الجوهري والعميق وراء هذه الأزمة يكمن في تخلي الدولة الصريح عن دورها السيادي المباشر في إدارة وتوزيع المادة الحيوية، وتفويض هذه المسؤولية الوطنية لجمعيات محلية تفتقر للحياد والحكامة. هذا التراجع الإداري فتح الباب على مصراعيه أمام عقليات التدبير الأولي المعتمدة على القبلية والعصبية واستعراض النفوذ، حيث تحول الماء من حق مكفول بالقانون إلى أداة لممارسة “السلطوية” والتحكم في مصائر الناس. وبدلا من إعمال آليات الرقابة والمحاسبة، أصبحت الموارد المائية تدار بمنطق “الغنيمة المكتسبة” والانتماء الفئوي، مما جر المنطقة إلى ممارسات القرون الوسطى وسلب المواطنين حقوقهم دون سند قانوني أو أخلاقي.
​ولم تقف الأزمة عند حدود الشح المفتعل، بل امتدت لتكشف عن وجه آخر للفساد السياسي المحلي، حيث تحولت المحنة إلى ورقة انتخابية قذرة تستغل لصف الحسابات بين المنتخبين والخصوم السياسيين. فبدلا من أن تكون الانتخابات محطة للتنافس الشريف حول خدمة المواطن وضمان حقوقه الأساسية، أصبحت هذه الأزمات المفتعلة سلاحا يشهر لضرب الأطراف لبعضها البعض بغية تحصيل المكتسبات الانتخابية. وفي سياق هذا الصراع السياسي الضيق، أخذ الساكنة البسطاء كرهائن، مجبرين على العيش في أوضاع بدائية تعود بهم إلى “عصور ما قبل التاريخ”، حيث يختزل طموح الإنسان اليومي في مجرد الحصول على جرعة ماء لسد الرمق.
​لقد ظل سكان دوار “البرجة” يستفيدون بشكليات قانونية واشتراكات موثقة من الخزان المائي التابع لدوار “الحاجب” بجماعة أكفاي منذ سنوات، ملتزمين بكافة الواجبات المالية. غير أن تحويل هذا المرفق إلى أداة تضييق يجسد أبهى صور التخلف، حيث تقطع المياه بدعوى جفاف الآبار، في وقت تكشف فيه الواقعيات الميدانية عن تدفق الفائض يوميا واستهلاكه ليلا في سقي الضيعات الخاصة. إن هذا التمييز الفادح والتعسف المزاجي، المصحوب بتهديدات صريحة للتخريب وإغلاق الصمامات، يوضح كيف يحرم المواطن الأعزل بينما يسخر المرفق العام لخدمة المصالح الضيقة.
​إن استمرار هذا الوضع الكارثي، رغم المساعي السلمية والأبواب التي طرقها المتضررون لدى القيادة والدرك الملكي والمجالس الجماعية، يستدعي تدخلا حازما ينهي هذا الانفلات وتعدد “السرعات” في تطبيق القانون. لقد حان الوقت لاستعادة الدولة لمسؤوليتها المباشرة في حماية الموارد المائية، وقطع الطريق على كل من يحاول ممارسة الوصاية الانتخابية والقبلية على حقوق المواطنين، كفالة للكرامة والعدالة الاجتماعية تحت راية الشعار الخالد: الله، الوطن، الملك.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


52 + = 58