المعطي منجب ينهي إضرابه (الزائف) عن الطعام بعد وقت قصير من إعلانه

المنبر المغربية :

أنهى المعطي منجب إضرابه (الزائف) عن الطعام بعد وقت قصير من إعلانه، ثم نشر توضيحا جديدا حاول فيه إعادة تقديم نفسه باعتباره ضحية وضع “غير مفهوم” و”قاس”. لكن ما لفت الانتباه في هذا المنشور لم يكن فقط تراجعه السريع عن الإضراب، بل ما تضمنه من اعتراف ضمني بطبيعة الرهان الذي يحكم هذا النوع من الخرجات.

فمنجب كتب بوضوح ما معناه أنه كان يفضل أن يُسجن من جديد، لأن السجن، في نظره، يمنحه تضامنا وزيارات ومواكبة إعلامية وتعاطفا، بينما الوضع الحالي، كما قال، يتركه معلقا ويشعره بالعزلة.

وهذه العبارة وحدها تكفي لفهم جوهر الخطاب الذي يبنيه منذ سنوات. المسألة هنا لا تتعلق فقط بالاحتجاج على قرار أو وضع قانوني، بل بالحاجة الدائمة إلى إطار درامي واضح يضمن التعاطف، ويعيد إنتاج صورة الضحية، ويمنح صاحبها موقعا مريحا في المشهد الحقوقي والإعلامي.

هذا مهم لأنه يفسر لماذا يلجأ منجب، في كل مرة، إلى الجمع بين عناصر مختلفة داخل رواية واحدة. فهو يضع في السرد نفسه المنع من السفر، ووضعه البنكي، ووضعه المهني، وممتلكاته، ثم يقدم الكل باعتباره معاناة واحدة بلا سبب مفهوم. والحال أن هذا العرض الانتقائي لا يشرح شيئا بقدر ما يطمس الفوارق بين ملفات ومسارات مختلفة، ثم يحولها إلى مادة جاهزة لصناعة المظلومية.

وفي أصل هذا الخلط توجد مغالطة قديمة تتكرر من جديد، وهي الإيحاء بأن العفو الملكي الذي استفاد منه كان يفترض أن ينهي كل شيء. غير أن مصدرا قضائيا سبق أن أوضح لوسائل إعلام مغربية سنة 2025 أن العفو كان يخص ملفا آخر صدر فيه حكم نهائي، بينما ظل ملف ثان رائجا يتعلق بشبهة تبييض الأموال، وهو الملف الذي ارتبط بقرار المنع من السفر والقرارات الأخرى. لذلك فإن تصوير الوضع الحالي كما لو أنه دليل على “انتقام” أو “استهداف” خارج أي سياق، يتجاهل عمدا هذا المعطى الأساسي.

والأمر لا يقف عند هذا الحد. فحين يجري تقديم القرارات أو الآثار المرتبطة بالملف الذي ما يزال قائما على أنها مجرد مظاهر “ظلم” غير مفهوم، يصبح المطلوب من الرأي العام أن ينسى نقطة جوهرية، وهي أن العفو لم يشمل هذا الملف. ومن هنا يأتي التدليس. ليس لأن منجب يشتكي فقط، بل لأنه يقدم الشكوى على نحو يوحي بأن كل ما يعيشه لا أصل قانوني له، وأنه مجرد استهداف شخصي. وهذه ليست قراءة دقيقة، بل إعادة صياغة مقصودة للوقائع حتى تبدو أكثر قسوة وأكثر قابلية للاستهلاك الإعلامي.

أما إنهاء الإضراب (الزائف) بهذه السرعة، فقد أضعف بدوره الرواية بدل أن يقويها. لأن الإضراب حين يُعلن باعتباره خطوة قصوى ثم يُسحب سريعا، فإنه يتحول من أداة احتجاج إلى جزء من المشهد نفسه. أي إلى وسيلة لرفع الضغط الرمزي، ثم الانتقال مباشرة إلى طلب التعاطف والتضامن. وهذا ما يجعل المنشور الأخير أكثر دلالة من أي تصريح سابق، لأنه لا يكشف فقط تهافت ورقة الإضراب، بل يكشف أيضا أن صاحبها يبحث، في العمق، عن وضعية تمنحه رأسمال المظلومية الذي يشعر اليوم بأنه يتآكل.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 2 = 1