الدكتور رضوان غنيمي : خطاب الإيجابية في ظل تداعيات جائحة كورونا كوفيد 19

بقلم الدكتور رضوان غنيمي  : أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة

اقتضت حكمة الله تعالى أن تتعاقب على الناس صروف الدهر فهم في دروبه يتقلبون، ترفعهم الطاعة تارة وتخفضهم المعصية أخرى، يتنعمون في اليسر ساعة ويذوقون شظف العيش أخرى، يرفلون في نعيم العافية زمنا ويُطرقون بألوان الابتلاءات زمنا آخر، ولا يُتصور فيهم في كل ذلك إلا الصبر والشكر لأنه الأصل في المؤمن الذي إذا أصابه خير شكر وإذا مسه شر صبر، إلا أن ما يتخبط فيه غالبية الناس اليوم في ظل واقع الابتلاء واستفحال شر كورونا من أزمات نفسية قاتلة مرده إلى سلبية منكرة جثمت على قلوب الكثيرين ممن ضعُف إيمانهم فالاستكانة إلى الأرض يندبون حظهم وسوء طالعهم، وهذه لعمري العدمية التي رفضها الإسلام بل وحاربها حتى إنه لا يتصور المسلم إلا إيجابيا ولو في أحلك الظروف وأشدها، نعم إنها الإيجابية التي تحول المآسي والمصائب إلى مصدر قوة فتكسب صاحبها المناعة والجلد وتؤهله أكثر لمواجهة تحديات الحياة التي لا تتوقف ولا تنتهي، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم معالم هذه الإيجابية في التعاطي مع متغيرات الحياة  فقال “المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان” .

إن الدعوة إلى التحلي بالإيجابية اليوم ليست نافلة قول بقدر ماهي دعوة إلى أسلوب حياة ينبغي أن ننهجه في مواجهة واقع لا يرتفع، وباء كورونا دون مرية أصبح واقعا لا مفر منه، لكن بالتحلي بروح الإيجابية فقط يمكن تجاوز تداعياته حتى لا نغرق أنفسنا في أمراض وأوبئة نفسية أخرى لربما يطول أمد أثرها، لأجل ذلك نرى أن الحديث عن الإيجابية اليوم أصبح مطلوب الفعل بخصوصه.

إن التحلي بالإيجابية التي ندعوا إليه اليوم هو ذلك الانخراط الفعال في المجتمع محاولة في تحقيق النفع كل من موقعه وفي حدود إمكانياته ولعل تلك المبادرات المتتالية التي أصبحت تطرق مسامعنا لشباب نذروا أنفسهم وأوقاتهم وأموالهم وجهودهم ومقاولات مواطنة ومبادرات فردية في سبيل تقديم المساعدة أسوة بأمير المؤمنين – حفظه الله – من خلال مبادراته الخلاقة اللافتة التي تنم عن إيجابية عميقة في التعاطي مع الطوارئ والحالات الاستثنائية.

إن الحاجة إلى التحلي بالإيجابية مرتبطة بسنة الابتلاء حتى في حق الأنبياء، لأجل ذلك وجدنا ذلك التحذير الرباني لمحمد صلى الله عليه وسلم في بداية رسالته في قوله تعالى ” فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ” وهو نبي الله يونس الذي غابت عنه حقيقة الإيجابية لحظة فهجر قومه وقد ظن ألا أمل يرجى منهم.

إن روح الإيجابية وحدها يمكنها جعل ما استحال أو كاد من الممكنات وتاريخنا المغربي والمغاربي زاخر بنماذج مشرقة للإيجابيين الذي قلبوا موازين ومعادلات لطالما اعتبرها الناس ثابتة مُطّردة، وإلا كيف يصبح الإمام أبو عبد الله المازري الفقيه طبيبا؟

نحتاج اليوم إيجابية النملة أمام سليمان عليه السلام فلم يمنعها الخطر الداهم من تحذير قومها

نحتاج اليوم إيجابية الهدهد التيأنقذت أمة بأسرها

نحتاج اليوم إيجابية تعلو بها هممنا حتى نكون كعجوز بني إسرائيل

نحتاج اليوم إيجابية تسلي قلوب كل من فقد حبيبا أو قريبا بهذا الوباء.

نحتاج إيجابية تظهر قيمة ذاك الذي استشهد من أجله شهداء الواجب وهم يذودون عنا في الصفوف الأولى في مواجهة كورونا من الأطباء الشرفاء الذين أظهروا للعالم حقيقة المغربي عند الشدائد والمحن.

نحتاج إيجابية نوح عليه السلام الذي استمر في دعوة قومه والصبر على أذاهم ألف سنة إلا خمسين عاما.

إن الإيجابية التي نقصدها وندعوا إليها ليست مجرد كلمة تلوكها الألسن، ولا صفة يتوارثها الناس، وليست اندفاعا حماسيا بدون علم، وإنما هي خلق يميز الناس عن الناس، وموقف يظهر صاحبه من خلاله مدى انخراطه في خدمة من حوله في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الإنسانية كل حسب طاقته وعلو همته، وقد قالوا قديما: لا أحد أقل من أن يفيد ولا أحد أكثر من أن يستفيد.

رفع الله هنا الوباء والبلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 3 = 4