الدكتور رضوان غنيمي : الملك  ضحى بما لا يُضحى به ..و جنب شعبه ويلات هذا الوباء فقدم حفظ الأنفس على حفظ الأموال، وهذا لعمري جوهر الشريعة وعمق الفقه .

بقلم الدكتور رضوان غنيمي

أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة

بعد شهر ونيف من الإعلان عن أول إصابة بفيروس كورونا ببلادنا لازلنا نقف خلف صفوف نجوم المغرب بلا منازع زمن الوباء، المجاهدون الشرفاء الذين طالما غمطوا حقهم زمن الرخاء، فلم يلتفت إليهم ولم تظهر حقيقة نجوميتهم إلا زمن الوباء حيث الحقيقة التي أفلت فيها النجوم.

لقد كشف الوباء عن كنوز بالمغرب كانت مدفونة، أو في أحسن الأحوال عميت عنها أبصارنا.

وأنا أتتبع المستجدات اليومية لهذه الجائحة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على البشرية عبر العالم عرض لي من الأمر ما جعلني أتساءل فأقول: ونحن نلازم بيوتنا خوفا من الإصابة وطمعا في السلامة من يذود عنا؟ من يحمي ظهورنا؟ من يعتني بالمصاب منا؟ من يسهر على أمننا؟

فوجدت أن الإجابة تطول بلائحة تضم نجوما لطالما كانوا في الحقيقة نجوما، لكن ما أدركنا حقيقة نجوميتهم وبم استحقوها إلا عند امتحان الوباء.

وخلافا لمقتضى قول أبي فراس الذي قال يوما: وفي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ

نقول في زمن كورونا حيث الظلمة والعتمة والسواد قد جثم بكلكله على البشرية، بزغ فينا وبيننا ومنا نور مُشعٌّ ما كنا نلقي له بالا، بل لطالما عاملناه وفق مقتضى قول الشاعر:

واذا تكون كريهةً أُدعى لها   واذا يُحاس الحَيْس يُدعى جندب

ثم عدت فقلت إن الأوان لم يفت وإن الوقت لم يمت، وما زال بإمكاننا تدارك ما فات للظفر بخير ما هو آت، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإحقاق الحق ورد الفضل إلى أهله فقد قيل: من لم يشكر الإنعام فاعدده من الأنعام، وإنعام هؤلاء النجوم لا حدود له، لكن عن أي نجوم نتحدث؟

نتحدث عن أمير المؤمنين -نصره الله-، الملك الذي ضحى بما لا يُضحى به عادة في سبيل حفظ حياة شعبه وتجنيبهم ويلات هذا الوباء فقدم حفظ الأنفس على حفظ الأموال، وهذا لعمري جوهر الشريعة وعمق الفقه.

نتحدث عن نساء ورجال الصحة الشرفاء خط دفاعنا الأول، ولا أرى فضلا يحسب لصاحب فضل أكثر من طبيب أو طبيبة أو مسعف أو ممرضة يجعل نفسه ترسا يتترّس به غيره.

نتحدث عن نساء ورجال التعليم خصوصا حينما نتحدث عن رعونة أفواج من المستهترين ممن تلقفهم الجهل فنتأسف لحالهم ولسان حالنا جميعا يقول أليس فيهم رجل رشيد، هنا تظهر نجومية المعلم والأستاذ والعالم والناصح ولكن جُبل الناس على حب الصالحين لا المصلحين.

نتحدث عن نساء ورجال الأمن الأوفياء بجميع أسلاكهم ورتبهم.

نتحدث عن نساء ورجال السلطة الأمناء بجميع رتبهم، الذين عرفناهم في الوباء كما لم نعرفهم من قبل وبمعيتهم القوات المساعدة الساهرة على الضبط والانضباط .

نتحدث عن رجال سلطة في المناطق الجنوبية بين مطرقة تأمين حاجيات السوق المحلية من الأغذية والمواد، وسندان المحافظة على سلامة ساكنة المنطقة من أن تصلهم العدوى.

نتحدث عن رجال النظافة هذا الجيش الذي لا سلاح له إلا عزيمته وحسن طويته واستعداده لخدمة بلده، إذا كنا نطالب بغسل أيدينا، وتعقيم أنفسنا وأدواتنا ونحن داخل بيوتنا فكيف يكون الحال بهؤلاء وهم في مرمى الجراثيم والفيروسات…

نتحدث عن مهنيي نقل البضائع والسلع الساهرين على أمننا الغذائي.

نتحدث عن جهاز الوقاية المدنية العين الساهرة التي لاتنام.

نتحدث عن القوات المسلحة الملكية حارس البلد من الداخل والخارج وليس هذا بجديد على هذا الجهاز الذي يضع نفسه في مواجهة العدو حيث وجد وقد وجد اليوم في الداخل والخارج.

نتحدث عن موظفي البريد بمختلفي درجاتهم الذين يبدلوا قصارى جهدهم لخدمة الوطن و المواطن ..

إن من المقرر في ديننا أن إظهار الشكر والامتنان فضيلة لا يختص بها إلا من صفت نفسه، وعلت همته، بل قد تعبدنا الله عز وجل وفق نفس المبدأ، فجعل الشكر والاعتراف بالجميل مجلبة للعطاء منه تعالى واستزادة منه فقال تعالى:” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ  ” .

وانطلاقا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ” .

نقف إجلالا وإكبارا وتقديرا الكل هؤلاء النجوم، وننحني لهم احتراما واعترافا بتضحياتهم وإسهامهم الفعال في تحصين المجتمع ضد هذا الوباء القاتل.

إن أمة لا تقدّر علماءها، وتضحيات أطباءها، والساهرين على أمنها، أمة كتب عليها المرض والجهل والخوف أبد دهرها، ولعلنا نخرج من هذا الوباء -إن شاء الله-وقد رتبنا اولوياتنا وأدركنا مصدر قوتنا ودعائم رقينا وتقدمنا خلف القيادة الرشيدة لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله.

رفع الله عنا الوباء والبلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 1 = 3