الدكتور رضوان غنيمي : تمظهرات التنطّع في الدين زمن كورونا

بقلم الدكتور رضوان غنيمي

أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة ..

من الأمور المرتبطة بآدمية الإنسان، المجلية لحقيقة فطرته قبل انحرافها نزوعه إلى خالقه كلما طرقته الخطوب، واشتدت عليه الأزمات، وهذا أمر معقول مقبول نفهمه فلا ننكره ولا نشكك في مصداقيته، بل غاية ما يمكن أن يؤاخذ على بعض الناس من أوجه التقصير فيُنبهوا عليه أن يقال لهم اعرفوا ربكم في الرخاء يعرفكم في الشدة، وهو مقتضى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس: “احفظ الله يحفظك”  ..

وصحيح أن وباء كورونا وما ترتب عليه من تداعيات هي شدة وأزمة ومصيبة وجائحة…تدفع العبد دفعا لإظهار عبوديته واستسلامه وخضوعه لله عز وجل، لكن الناظر في واقع الناس اليوم المتتبع لما يشغل باله يقف على ظواهر غريبة ومواقف من قضايا تعبدية أغرب بل هذه المواقف بدأت تتناسل كالفطر وكأنها سليسلة بنت سليسلة، لا نكاد نخرج من قضية حتى تُثَار أخرى، ثم يتصدى لها العلماء الربانيون الذين فقهوا حجم وثقل المسؤولية التي تحملوها بوصفهم ورثة الأنبياء، بشكل يجعل مواكبة المغرب لتداعيات هذا الوباء متكاملة بين ما هو سياسي واجتماعي واقتصادي وقانوني وفقهي، ومن هذه القضايا التي طرحت بشكل متسارع متتالي :

1  إمكانية تأجيل شهر رمضان أو إلغائه، ثم ما فتئت هذه الزوبعة أن هدأت و خفت صوتها.

2 إمكانية جواز صلاة التراويح جماعة اقتداء بإمام افتراضي خلف شاشات التلفزة أو عبر مختلف وسائل الاتصال الحديثة أو حتى عبر مؤتمر فيديو (Videoconference)

3  ليس هذا فحسب بل أزيدك من البيت شعرا أن الناس الآن يتحدثون عن إقامة مشاريع جماعات خاصة لقيام ليالي رمضان في أسطُح البيوت ودهاليزها.

ولا أدري هل نحن بصدد التخفي والاختباء من الوباء أو من السلطات الزاجرة؟وهذا منزلق خطير لفهم حقيقة الحجر الصحي لدى الناس وتكمن هذه الخطورة في جهل الناس لحقيقته ودوافعه وغاياته، إن من أكبر المصائب وأكثرها خطورة أن يعتقد البعض أن الحجر الصحي أصبح سوطا مسلطا على دهره يستهدفه بدل أن يحميه.

أليس الذين أثاروا سؤال إمكانية تأجيل رمضان هم من أثاروا إمكانية الإئتمام عن بعد؟ أم أننا أمام فريقين وجهين مختلفين لمجتمع واحد.

أليس الأصل في الاجتماع لصلاة التراويح في رمضان (وهي النافلة) اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ألم يكن الأصل فيها أن يصليها الناس في بيوتهم فرادى؟ كما روي عن الإمام مالك أنه قام ليلة في بيته منفردا بسورة التكاثر يقرأها ويعيدها.

فكيف ظهرت فجأة هذه الحاجة الملحة والضرورة التي تقتضي أن نستخلص لأجلها فتاوى جواز الاجتماع لها ولو عن بعد؟ في ظل ظروف قاهرة مانعة من الاجتماع للصلاة المفروضة؟

ثم أنا أتساءل إذا كان كل هذا الحرص على أجر صلاة الجماعة فلم لم يُسأل عن الاجتماع على الأقل للجُمَع وهي الواجبة المفروضة الآكد؟ مع العلم أن الحكم الفقهي فيهما واحد وهو عدم الجواز.

لست في هذه الكلمات أحاول الإجابة عن هذه الأسئلة بقدر ما أريد معرفة مدى مصداقية أصحابها في إثارتها، ولم كل هذا التنطّع الآن؟ ولسان حالي يردد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق.

ومع ذلك فقد تصدى فقهاؤنا لكل هذه الإشكالات المختلقة بل إنك لتقف أمام كلام من ذهب للعلامة الروكي حفظه الله يمثل خارطة طريق للفقهاء عموما في كيفية التفاعل مع مثل هذه الإشكالات المتوهمة وهو يقول: “لولا أن بعض العلماء أدلى بدلوه فيها (أي هذه القضايا) لما وقع التفات إليها على الإطلاق”.فالناظر في كلام العلامة سيدي محمد الروكي حفظه الله يلمس ذلك الحس الفقهي والفطنة التي تطلب في الفقيه عادة وفي مثل هذه الحالات خاصة، ذلك أنه رد خطورة المسألة، والخطأ في تداولها، إلى الخوض فيها أصلا.

إن هذا الحرص وغيره كان ليكون حقيقة لو استقام الناس على المنهج السديد القويم حال الرخاء قبل الشدة، إلا أن واقع حالنا اليوم ينبئ عن انتكاسة خطيرة في فهم حقيقة الدين بشكل جعل ممارسة شعائره عند الكثيرينصورا نمطية وطقوسا مألوفة  فانطبع في ذهن الواحد أن حمل سجادته على كتفه يوم الجمعة وهو في طريقه إلى المسجد ولو متأخرا يعتبر قيمة أدبية يتجمل بها وطقس لا يكتمل يوم الجمعة إلا به، أقنع الناس أنفسهم أنه من غير اللائق بهم عدم حضور التراويح بشكل دائم، وفي المقابل لا ضير عندهم إن فاتتهم صلاة العشاء جماعة، انطبع في أذهان الناس أنه من الضروري أن يبكوا خلف إمام التراويح إسوة به أو بمن بكى أو على الأقل تباكى ببكائه وإلا دل ذلك على نكتة في القلب لربما يعيرّ بها، لست أبالغ إن قلت أننا بهذا التصور المُعوجّ لممارسة التدين نخشى أن يصبح الدين عندنا طقوسا فلكلورية نتجمل بها، حرصنا على أداء التراويح جماعة ولو سرا في ظل تداعيات الوباء وقد قطّعنا أرحامنا وتنكّرنا  لجيراننا ادعاء إيمان كاذب، حرصك على صلاة التراويح خلف إمام عن بعد وأنت ظالم، غاشّ، كاذب، نمّام ، مغتاب،… ادعاء إيمان كاذب، استعدادك التضحية بنفسك وتعريضها للهلاك في سبيل الاجتماع لصلاة النافلة وأنت مضيّع للأمانة ادّعاء إيمان كاذب، وأنت خائن خارق للحجر الصحي، مُهدّد لحياة الأبرياء ادعاء إيمان كاذب، لا نريد أمة ليس لها من صلاتها إلا تمرين العضلات، وليس لها من صيامها إلا الإبداع في أشكال الحلوى وتنوع المسلسلات، وليس لها من حجها إلا تمر المدينة وماء زمزم وقطعة مسك لربما صنع في الصين.

لقد كشفت جائحة كورونا اليوم عن جهل عميق، وسطحية مبتذلة، ورقة ظاهرة، في إدراك حقيقة الدين وصور ممارسة التدين،وفي أحسن الأحوال أظهرت سوء فهم لروح الشريعة ومقاصدها حتى بلغ الأمر بالناس إلى هذا المستوى من التنطّع المقيت.

رفع الله عنا الوباء و وقانا شر البلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


31 + = 37