الدكتور رضوان غنيمي : استشعار الفراغ زمن الحجر همة قاصرة

الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة

من المعلوم يقينا لدى العقلاء أن الوقت أغلى ما يمتلكه الإنسان في حياته والدليل على ذلك أن رب العزة أقسم به في كتابه العزيز في أكثر من موضع قال تعالى: ” والعصر إن الإنسان لفي خسر” وقال تعالى: “والفجر وليال عشر” وقال تعالى أيضا:” والضحى والليل إذا سجى” وآيات كثيرة أخرى وقد شاءت الأقدار الإلهية أن يُفرض على الناس هذا الحجر الصحي الذي أقعدهم في بيوتهم ضمانا لسلامتهم، إلا أن بعض الناس قد يشكو الفراغ والضجر من ملازمته بيته فهل أدرك الناس حقيقة نعمة الوقت والفراغ ؟

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ” .

أيها الأفاضل لقد انطبع في أذهان الكثيرين منا أن هذه المرحلة الوبائية الاستثنائية التي تمر به الإنسانية جمعاء وتزامنها مع شهر رمضان تشعرهم بفراغ قاتل أعيتهم الحيلة فيه، وغاب عنهم  قول النبي صلى الله عليه وسلم اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك” .

وهذا الحديث النبوي في الحقيقة كنز من كنوز السنة النبوية،وإنما أقف في هذه الكلمة مع اغتنام وقت الفراغ أو اغتنام الأوقات عموما، وإن الحديث عن الوقت في الحقيقة إنما هو حديث عن الحياة يقول الحسن البصري: ” يا ابن آدم اعلم أن الحياة أنفاس معلومة معدودة، وكل نفَس تتنفّسه يبعدك عن الدنيا ويقربك من الآخرة ” .

وقال الشاعر:

ومن ضيع الأوقات ضاعت حياته** وعاش فقيرا جاهلا ليس يشكر

المُطل على حال الناس اليوم وهم بين جائحة الوباء وخير الشهر الفضيل، يظهر له جهل الكثيرين منا بحقيقة ما ينبغي أن يكون عليه حالهم في هذه الأيام حتى إذا سألت الواحد منهم كيف تقضي يومك أجابك بملء فيه تلك الإجابة المُنكرة التي تنم عن جهل مطبق وغفلة تامة بوظيفته في الحياة وما يطلبه فيها، فيقول ” نقتل الوقت” أي جهل أكبر من هذا؟ أي وقت تقتل؟ وربنا يقول “فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب” أي وقت تقتل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه” .

مر الفضيل بن عياض برجل يلهو فقال كم عمرك قال ستون عاما، قال الفضيل ستون عاما وأنت تسير إلى الله تكاد أن تصل فقال الرجل إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل فهل تعرف معناها، قال الرجل نعم إني لله وإني إليه راجع، قال الفضيل من عرف أنه عبدا لله وإليه راجع فليعلم أنه موقوف بين يديه ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليعدّ للسؤال جوابا، فبكى الرجل وقال يا فضيل فما الحيلة؟ قال الفضيل الحيلة يسيرة، أحسن فيما بقي يُغفر لك ما مضى وما بقي.

إن مما لا يسعُنا جهلَه أن أربعة أوقاتا  تتعاقب علينا وهي: نعمة، وبلية، وطاعة، ومعصية . ولله علينا فيها سهم من سهام العبودية بحق الربوبية، فَمَعَ النعمة الشكر، ومع البلية الصبر، ومع الطاعة إظهار المنة، ومع المعصية التوبة، فأين وقت الفراغ الذي يقتله هؤلاء؟

لا مرية أن واقع الحال أن من قتل وقته قتل نفسه، ومن ضيّع وقته ضيّع حياته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال سبعا هل تنتظرون إلا فقرا مُنسيا أو غنا مُطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا مجهزا أو الدّجالَ فشرّ غائب يُنتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمَرّ.

إن الحديث عن وقت الفراغ في الحقيقة حديث لا يخلو من تجوّز وإلا فلا فراغ في حياة المسلم إنما هو التقدم فهو الخير أو التراجع فهو الشر.

يقول الحسن البصري: من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه فهو محروم ومن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان ومن كان كذلك فبطن الأرض خير له من ظهرها.

رفع الله عنا الوباء وابعد عنا البلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


32 − 29 =