بقلم الدكتور رضوان غنيمي أستاذ بكلية العلوم الشرعية بالسمارة
من جميل الصور وأبدعها وأكثرها تحريكا للمشاعر وحملا لها على فعل الخير والتنافس فيه والمسارعة إليه تلك المتناثرة هنا وهناك، يظهر فيها أصحابها بابتسامة عريضة دالة على سعادة تغمرهم، وهم واقفون بجانب مسكين محتاج، فقير، وقد قضوا له حاجة، أو أسدوا إليه معروفا، وأمسكوا بطرف عطيتهم وأمسك المُنعَم عليه بطرفها الآخر، ولطالما حدثتني نفسي ودفعني الفضول إلى سؤال هؤلاء الأفاضل – المحسنون- لم تفعلون هذا؟ لم تصرون على إتلاف أجر إحسانكم إن كان بالفعل إحسانا؟ ما الغاية من نشر هذه الصور، بل ما الغاية من أخذها ابتداء ؟ لم تصرون على إهانة هذا المنعم عليه؟ ما قصدكم يرحمكم الله لأني عجزت حقا عن فهم هذا السلوك؟
لاشك أننا مهتمون بتنقية وتطهير محيط عيشنا من الشوائب، ومما لاشك فيه أيضا أن قلوبنا أولى بهذا التطهير، وإن من أخطر الشوائب وأشدها فتكا بالقلوب مرض الرياء، وهو إرادة الغير بفعل الخير وقد كان للإسلام منه ذلك الموقف الصارم في بيان خطورته والتحذير منه والنهي عن التلبس به، قال صلى الله عليه وسلم ” إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد ، فأتي به فعرفه نعمته فعرفها ، فقال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها، قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، قال: فما عملت فيها ؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار.
إننا نعيش أياما مباركات حيث تضاعف الأجور من جهة، وحيث دعت الضرورة إلى تكاثف جهود الناس في التضامن والتآزر مساعدة للمحتاجين وإغاثة للملهوفين المتضررين من تداعيات هذه الجائحة التي ألمت بنا، فليكن مرادنا من الإحسان وجه الله تثبيتا لأجرنا، وحفظا لكرامة محتاجينا.
إن ظاهرة التقاط صور مساعد الآخرين ونشرها للناس، خلق ذميم يرفضه الطبع السليم ويأباه الذوق الراقي فلا يصنع ذلك إلا لئيم غر جاهل ممن لم ترق به أخلاقه إلى درجة تحديد مراده من فعله، فاختلط عليه الأمر أوجه الله يريد أم وجه سواه، فلا مجال لازدواجية النية هنا فإما عطاء خالصا متقبلا يُدّخر لك عند ربّك وإلا فليس لك إلا إعجاباتمتتبعيك وأصدقائك… على مواقع التواصل الاجتماعي فدونكها ولا تلومن إلا نفسك، فانظر لنفسك أيهما تريد، واستحضر في اختيارك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا يقبل الله عملا فيه مقدار ذرة من رياء” .
ضرب عمر بن الخطاب رجلا ثم تبين له أنه ضربه ظلما فقال له اقتص مني فقال الرجل أتركها لله ولك، فقال عمر رضي الله عنه ما فعلت شيئا فإما لي فأعرفها وإما لله وحده، فقال الرجل هي لله قال عمر الآن نعم.
نسال أن يرفع عنا الوباء ويبعد عنا البلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه.


قم بكتابة اول تعليق