الدكتور رضوان غنيمي : مظاهر إحياء عاشوراء بين الواقع و المأمول

المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر أكادير

لا خلاف بين العقلاء أن الشباب هم عماد الأمم ومصدر نهضتها، ومبعث عزها وأمل مستقبلها، بقوتهم تقوى، وبضعفهم تضعف، إذا صلح حالهم استقام لها أمرها، وإذا اقتحم الوهن عزائمهم أصيبت مقاتلها، والناظر في حال شبابنا اليوم يظهر له سواد مستقبل هذا الجيل ولسائل أن يسأل من المسؤول عن هذه الوضعية المخزية لشبابنا؟ من أنتج هذا الجيل الهجين الذي لا يصلح لا لإرادة الدنيا ولا العمل للآخرة؟ في وقت عرف الشباب بأدوارهم الرائدة في الدفاع عن الأوطان، وهم من حمل عبء الدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاشك أن الجميع يتبادره هذا التساؤل ويطرق فكره مرارا كلما صادف موقفا مشينا من شاب أو وجد نفسه أمام حالة مماثلة فرضت عليه ليعيشها داخل العائلة أو حتى الأسرة، والحقيقة أن الجواب لا يتطلب طول تفكير ولا دقة إمعان، نعم إنهم نحن أنا، أنت، أنتم، هم…الآباء المدرسون المكونون المربون المنظرون… نحن من أنتج هذا الجيل الذي نتبرأ منه اليوم، أيها الآباء أنتم ماذا قدمتم لأبنائكم قبل أن تطلبوا منهم ذاك الذي تنتظرونه منهم، أجل إنه العقوق العمودي، لكن من الأعلى نحو الأسفل، جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه فأحضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه وأنّبه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه القرآن. فقال الابن: يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئاً من ذلك: أما أمي فإنها زوجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعراناً، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً. فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل، وقال له: أجئت إليّ تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

للأسف هذه المقاربة تغيب عنا في التعامل مع أبنائنا، في وقت أولى فيها الإسلام لمرحلة الشباب عناية خاصة وأهمية كبيرة حتى استثناها من العمر وهي منه وميزها عما قبلها وما بعدها تأكيدا على أهميتها كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ”  لنْ تَزُولَ قَدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصالٍ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفْناهُ ؟ وعَنْ شَبابِه فيمَ أَبْلاهُ؟ وعَنْ َمالِهِ من أين اكْتَسَبَهُ وفيمَ أنْفَقَهُ؟ وعَنْ علمِهِ ماذا عمِلَ فيهِ” وإنما حقيقة هذه المرحلة أنها نتاج لما قبلها وأساس بناء لما بعدها، ولعل جميعنا يراهن على نهضة الوطن بشبابه، نعم أرشدنا ربنا إلى ضرورة التغيير وربط تغيير أقدارنا بمدى قابليتنا للتغيير فقال تعالى ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” وقد اقتضت سنن الله أن التغيير لا يأتي إلا مع الشباب، لكنه شباب الإطارات المشتعلة ولا المفرقعات المدوية المكسرة صمت الليل، لا ينتظر التغيير من شباب تمت تربيتهم على أسس ومبادئ هجينة لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا، لا يتحقق التغيير وتنتظر النهضة من شباب تربى على أن الاحتفال بذكرى دينية تتم بواسطة التراشق بالبيض والمياه الفاسدة وإضرام النار في الإطارات المطاطية و… أيها الناس إنكم كاذبون حينما تتساءلون عن فضل صيام تاسوعاء وعاشوراء وأبناؤكم ما زالوا إلى ساعات متأخرة من الليل يقضون مضاجع الناس، يحرمونهم النوم والراحة، صحيحهم قبل سقيمهم بمفرقعات وألعاب نارية أنتم من أدى ثمنها، كاذب أيها الإنسان وأنت حريص على إحياء ليلة عاشوراء بأكل خاص وأنت قاطع لرحمك، جميعنا جنينا على أبنائنا كما جنينا على ديننا، أفي الألفية الثالثة ما زلنا نبث في روع ناشئتنا طقوسا وممارسات لا تليق بالإنسان المتحضر من حيث هو انسان فضلا عن كونه مسلما؟، هل يعقل أننا إلا اليوم نخلد ذكرى عاشوراء بالنار والمفرقعات والماء الوسخ، أي همّ هذا المّ بنا فأقعدنا في ذيل الأمم والشعوب؟ أيعقل أن يكون هذا حال بلد يَعُدّ قتلاه يوميا بسبب هذه الجائحة؟، لم تبلّدت مشاعرنا وضعفت هممنا فانشغلنا بسفاسف الأمور؟كيف لأمة هذا حال شبابها أن تنهض يوما؟ كيف لأمة عجز شبابها عن حمل عبء أنفسهم أن يتحملوا عبء بلدهم؟ إن ما آل إليه أمر شبابنا لا يعدو كونه نتاج تربية مشوهة وقيم هجينة غرسناها فيهم، افسحوا المجال لشبابكم ليظهروا كفاءاتهم، وأعينوهم بخبراتكم وجنبوهم جهلكم، واعلموا أن تقديم الشباب لا يعني بالضرورة إقصاء الشيوخ.

 




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


1 + 9 =