الدكتور رضوان غنيمي : كيف أصبحت السخرية من الآباء مصدرا للكسب

جريدة المنبر المغربية : بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..استاذ التعليم العالي بكلية متعددة التخصصات بالسمارة

ماتزال حالات الانفلات الأخلاقي ومظاهر التنكر للقيم الدينية، والأعراف المجتمعية، والتمادي في سحق ما تبقى من الكرامة الإنسانية مستمرةتتناسل من رحم الابتذال والإسفاف، تنشد الاسترزاق بكل ما يمكن أن يكون وسيلة لتحصيل المال، دون ما اعتبار لمُقدّس في وقت نحن أشدُّ ما نكون فيه حاجة إلى تطهير القلوب، وصفاء السرائر استمدادا لرحمات الله عز وجل ليرفع عنا هذا الوباء، بعد أن ضاقت بنا الحيل وأُغلقت في وجوه البشرية أبواب الأسباب، وتجلت حقيقة ضرورة الرجوع إلى الله تعالى كلاّ لا جزءا.

لكن المطلّ على واقعنا يرى هذه الانتكاسات الإنسانية تتزايد، بل تتطور وتُمعن في القضاء على آخر ما تبقى من الروابط الأسرية التي طالما كانت صمّام أمان الأمم والمجتمعات المسلمة في وجه حركات التمرد الأسري التي عصفتبالأُسر الغربية منذ ردح من الزمن، ذلك أن منحنى تطور الإسفاف والابتذال تطور وتحوّر بشكل ملفت أسرع من تطوّر وتحوّر فيروس كورونا، لينتقل الناس في مستوى مضمون ومحتوى “روتينهم اليومي” من الدياثة، والعري، والتفاهة، والتجهيل، والاسترزاق بالخواء، إلى أن اتخذوا من مواقع التواصل الاجتماعي معاول للهدم التربوي والأخلاقي للمجتمع عن علم وعن جهل، ولعل أوج ما وصل إليه الاندحار الأخلاقي في مجتمعنا أن يُجعل من الوالدين وإن علواأو من أحدهما ، مادة إعلامية رخيصة يُسترزق بها بنوع من الخِسة والابتذال،جعلت من الوالدين أداة للتسلية ابتداء، ثم مطية لكسب مشوب بالذلة والنّدالة من خلال ما يعرف في لغة وسائل التواصل الاجتماعي “بالمقالب”نعم هي الابتكار الجديد، والموضة الرائجةلدى الكثير من الناس، سخرية الأبناء من آبائهمعلى مرأى ومسمع من الدنيا، وتتأرجح هذه السخرية ما بين التعليق على المظهر الخارجي للأم أو الأب الذي تقدّم سنّه واحدودب ظهره، ورقّ عظمه، وصولاً إلى طريقة تناولهم الطعام، ولبس الثياب وطريقة الكلام وغيرها من الأمور التي أصبحت اليوم مادة دسمة للسخرية والاستهزاء في نظر قاعدة كبيرة من المخلوقات تتسع يوما بعد يوم، الشيء الذي يجعلها ظاهرة جديرة بالمحاربة قبل أن يحصل التطبيع معها مجتمعيا.

أقف عاجزا عن فهم كيف انحرفت فِطَرُ الناس لدرجة حوّلوا فيها آباءهم وأمهاتهم إلى مادة سخرية إعلامية ينشدوا من خلالها كسب المال؟.كيف تحولت قيم بعض ليجعلوا من آبائهم موضع فُرجة في وقت كان الواحد لا يجرؤ أن يشارك أمه الطعام: روى عن علي بن الحسين رضي الله عنه أنه كان يخشى أن يأكل مع أمه على مائدة، فقيل له في ذلك فقال: “أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتُها” بل كان الرجل لا يستطيع أن يرتقي سطح بيته مادام والده بالبيت، لما مات عمر بن ذر قالوا لأبيه ذر: “كيف كانت عشرته معك؟ قال: ما مشى معي قطّ في ليلٍ إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار قط إلا كان ورائي، ولا ارتقى سطحاً قطُّ كنت تحته”

 

ثم انتكست أخلاق الناس وماتت فيهم النخوة والمروءة فتفننوا في إضحاك الناس من آباءهم، وكلما كان مضمون السخرية أقدع كان إلى تحقيق المبتغى أقرب، أي مجتمع هذا؟ وأي قيم هذه التي أصبحت تحكمنا؟ هل مجتمع هذا حاله يجرؤ أن يرفع أهله أكفّهم تضرعا لله ليرفع عنهم مقته وغضبه؟ أهكذا نلوذ بالله من وباء كورونا؟ إذا كان الناس عاجزون عن إدراك مدى ضعفهم، ومدى حاجتهم إلى ربهم في مثل هذه الظروف الحالكة فمتى يدركون ذلك؟

في الحقيقة حاولت جاهدا قبل كتابة هذه الأسطر أن أفهم دوافع وأسباب هذه الظاهرة المشينة الغريبة عن البيئة المغربية خصوصا والإسلامية عموما فوجدتأن طغيان المادة على قيم ومبادئ الناس قد تغوّلت بشكل وجب معه دقّ ناقوس الخطر على أعلى مستوياته في وجه هذه القيم المستحدثة التي جعلت من شبابنا بالونات هواء معدّة للنفخ تقبل أن تُعبّأ بأي شيء، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى خلق وعي مجتمعي لمواجهة التحديات المعاصرة التي تفرضها المرحلة،وكل هذا ولا شك يستدعي تدخلا عاجلا للعلماء لجبر ما انكسر، وتقويم ما اعوجّ، والمسؤولية ممتدة لتشمل الإعلام في أن يسخر منابره لإسماع صوت العلماء، وإيصاله إلى المجتمع للتصدي لهذا المد المتنامي المُمْعِنِفي هدم ما تبقى من قلاع الأمان وهي الأسرة.

 




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


98 − = 95