الدكتور رضوان غنيمي : إن مجتمعا يهان فيه اليتيم، ويسلب حقه فيه هو مجتمع حري بأن يُكبر على الإنسانية فيه أربعا

 جريدة المنبر المغربية .. بقلم الدكتور رضوان غنيمي استاذ التعليم العالي بجامعة متعددة التخصصات بالسمارة

لا شك أن الإسلام هو دين التكافل والترابط ودين التراحم والتعاطف والتواد، دين يحث على الألفة والاجتماع، و يذم وينهى عن الفُرقة والاختلاف بشكل يبرز كمال هذا الدين وعظمته وصلاحيته لكل زمان ومكان، بحيث لو اجتمعت أنظمة الدنيا القاصرة على ما بلغته من تطوُّر   و رقي ودقة تنظيم لتهاوت منهزمة مستسلمة أمام الإسلام وتشريعاته الربانية العظيمة.

فقد أراد الحق سبحانه لهذه الأمة أن تكون قوية بأفرادها، لأجل ذلك وجدنا فيها من التشريعات الضامنة لهذه القوة مالم تعرفه أمة أخرى، و الناظر في كتاب الله وسنة نبيه يرى مدى الحرص الإلهي على ضمان حقوق الحلقات الأضعف في المجتمع -الأرملة واليتيم-حتى وجدنا النبي يضيق ويحرج على من انتهك حقوق أحد هتين الفئتين قال : ( اللهم إني أحرج حق الضعيفين حق اليتيم وحق المرأة)

ومراعاة لحال اليتيم ووضعه، وجدنا اليُتم وقد ذكر باشتقاقاته بالقرآن الكريم في أزيد من 23 موضعا.

والحقيقة أن اليُتم ظاهرة اجتماعية لطالما لازمت الإنسان في كل زمان ومكان من لدن آدم عليه السلام وإلى أن ينفخ النافخ في الصور، ذلك أن الآجال بيد الله تعالى وقد تقتضي حكمته عز وجل أن تصل يد المنون بعضَ الآباء قبل بلوغ أبنائهم سنَّ البلوغ، إلا أن هذه الظاهرة تتفاقم  وتستفحل بشكل يلفت إليها الانتباه زمن الكوارث والأوبئة وأيام والحروب، خصوصا ونحن نعيش هذه الأوضاع العصيبة في ظل هذه الجائحة التي أعدمتنا العافية اقتصاديا واجتماعيا بشكل جعل نسبة الأيتام في المجتمع ولا شك في ارتفاع، مما يجعل الحاجة إلى إثارة هذا الموضوع وأمثاله ملحة في الفترة الراهنة وقدانشغل الناس بأنفسهم ونسوا هذه الفئة الهشة الضعيفة، ومن دلائل واقعية هذا الدين وعلم الحق سبحانه أن اليتم لا يخلو منه مجتمع ولا زمان ولا مكان أن اهتم باليتامى اهتمامًا بالغًا، على أساس أن اليتيم قد انكسر قلبه بفقد أبيه.

واليتيم من الناس من مات عنه أبوه قبل سن البلوغ، ويستمر كذلك إلى البلوغ لينقطع عنه هذا الوصف، أما فاقد الأم فيسمى العجي، واللطيم من مات عنه أبواه.

وليضفي الشرع الحكيم تلكم المسحة الدينية في فعل كفالة اليتيم نجده يربط هذا الفعل الإحساني بأفضلية يختص بها الكافل المعتني باليتيم في إشارة إلى أن كفالة اليتيم مكرُمة لا ينالها كل الناس بل هو اصطفاء رباني لمن يوفّقه الله لها كما أشار ت إلى ذلك قصة كفالة زكرياء لمريم ابنت عمران وقد استهم على ذلك مع الأحبار قال تعالى:﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾

وقد حرص النبي باعتباره صاحب الشريعة على ضمان حقوق اليتيم فحرّج على الناس أن يُظلم فيهم بأي شكل من أشكال الظلم ماديا كان أو نفسيا، مستعملا في ذلك أسلوبي الترغيب والترهيب استحضارا منه لاختلاف الأنفس والطباع، حتى إنك لا تجد فعلا في شريعتنا مُدح كما مُدح المحسن إلى اليتيم قال خير بيوت المسلمين بيت يحسن فيه إلى يتيم.

بل اعتبر الاحسان إلى اليتيم مفتاح دخول الجنة دون مراء بل ومُؤهِّلا لمسابقة رسول الله إليها قال : ((أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها: ما لك أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي)

ومن سعة رحمة ديننا أن هذه المكانة السامقة التي أعدها الإسلام لمن أحسن الى اليتيم لم يفرق فيها بين اليتيم القريب واليتيم البعيد فقال من كفل يتيما له أو لغيره كنت أنا وهو كهاتين.

لكن مما يغيب عن أذهان بعضنا أن بيننا وحوالينا ومعنا أنواعا من الأيتام لا نعدهم نحن كذلك وقد ألحقهم الفقهاء بمسمى اليتيم الذي ذكرناه في البداية ليكون مجهول الأب يتيما ومفقود الأب يتيما، ومن أُبعد عنه أبوه يتيما ومن أهمله أبوه يتيما…

وتجدر الإشارة هنا كيف أن الإسلام جعل لرحمة اليتيم أثرا نفسيا على صاحب هذا الفعل بأن اعتبره الإسلام علاجا لقسوة القلب وطريقا لقضاء الحاجات (أتى النبي رجل يشكو قسوة قلبه؟ قال: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدركحاجتك)

فكل هذه الشواهد من سنة النبي تنطلق من الرؤية الترغيبية في هذا لفعل المحمود أما في الجانب الآخر المتعلق بالترهيب من ظلم هذه الفئة فمُخيف لدرجة تجعلك تشفق من حال مجتمع يُظلم فيه يتيم ومن ذلك أن عدّها النبي من الموبقات: “اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: “الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ“

والذي يعنينا هنا هو إبراز أثر الإحسان إلى اليتيم في تحقيق تماسك المجتمع وقوته، وحُسنُ الترابط بين أفراده، مادام هذا المجتمع قد حفظ حقوق اليتامى،واحتضنهم وأحسن إليهم ولم يتركهم هملاً.

إن دوافع كتابة هذه السطور بالتأكيد ليس بيان فضل كفالة اليتيم والإحسان إليه على عظم هذا المحفز  ولا شك، ولكن هي محاولة للتذكير بحقوق هذه الفئة الضعيفة التي يفترض في المجتمع أن يضمن لها حقوقها، من خلال تشريعاته القانونية حتى لا يبقى الأمر رهينا بمعنى التفضّل والرغبة في التبرع حتى يسهم بذلك في تشجيعهم على الخلق والإبداع والإسهام في تنمية مجتمعاتهم، وهذا لا يمكن أن يتحقق وفق مقاربة دور الأيتام وحدها –على أهمية دورها- لا نريد إحسانا يبث  في اليتيم قيم الانكسار والهوان والاستسلام، حاجتنا اليوم إلى وعي مجتمعي بضرورة وأهمية إدماج اليتيم في المجتمع بشكل ينتج لنا أسماء كالتي خلدها تاريخ البشرية من الأيتام الذين أناروا سماء الإنسانية في مختلف مجالات حياتها، وعلى رأسهم، محمد بن عبدالله ومنهم:

أبوحامد الغزالي، ابن الجوزي، الإمام الشافعي، الإمام أحمد بن حنبل، الإمام البخاري، ابن حجر العسقلاني، المتنبي، طارق بن زياد فاتح الأندلس، وعماد الدين زنكي، وعبدالرحمن الداخل، جورج واشنطن،ابراهام لينكولن… وغيرهم كثير كلهم تجاوزوا عقبات اليتم، وتساموا وارتفعوا على عتبات ذله وهوانه، وسمت نفوسهم على ضعف اليتم وانكساره.

إن الُمطل على واقعنا اليوم يرى ويلمس -للأسف- هشاشة قيم التكافل في مجتمعاتنا وقد ابتلعتنا المدنية المتوحشة بقيمها المتلونة المتغيرة، فما عدنا نلقي للضعيف بيننا بالا، بل قست القلوب حتى أصبحت مناظر الضعف وصور الحرمان وهي بادية لا تؤثر فينا وكأننا ألفناها واستأنست بها نفوسنا، فأصبحنا نرى هذه الظواهر المجتمعية التي يمجُّها الطبع السليم فلا تتحرك نحوها مشاعرنا، وفي أغلب وأحسن أحوال بعضنا أن يظهر ذاك التأثر الكاذب الذي أنتجته لنا الحضارة الجديدة تجاه هذه الظواهر كحال من تضع على كتفيها فرو ثعلب تحسبه أنيقا تتجمل به،حتى إذا رأت الثعلب يُصطاد أظهرت جزعا ورقة واستنكارا وادّعت الرفق بالحيوان. إن مجتمعا يهان فيه اليتيم، ويسلب حقه فيه هو مجتمع حري بأن يُكبر على الإنسانية فيه أربعا.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 55 = 63