الدكتور رضوان غنيمي : الدخول المدرسي بين حمى كورونا و حمى الانتخابات

جريدة المنبر المغربية ..بقلم الدكتور رضوان غنيمي ..استاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بالسمارة

بين حُمّى الوباء وحمى الانتخابات ضروري أن يرتفع صوت وصَيْتُ واحدة على أخرى وما أخال حمى الانتخابات إلا أنها طغت وارتفع صوتها فوق صوت غيرها، ولا إشكال في ذلك فالوقت وقتها والموعد موعدها، لكن الإشكال بل والمعضلة تكمن في أن التسابق هنا في الحقيقة هو تسابق بين أسباب ووسائل لحياة مستقبلية متوقعة غير متحققة، قد تكون وقد لا تكون ، وأسباب موت محقق، هو تسابق بين الوسيلة والغاية، هو تسابق بين السيد والخادم، وبئس قوم ينتصر فيهم الخادم على السيد وتُقدّم فيهم الوسيلة على الغاية، والفقهاء حينما ناقشوا مسألة تعارض حياة الأم الحامل وحياة جنينها قالوا بضرورة تقديم حياة الأم على حياة الجنين، وعللوا ذلك بأن حياتها متحققة، أما حياة الجنين فظنية متوقعة ولا يُقدّم الُمتوقع على المتحقّق.

لاشك أن التعليم والصحة لطالما اعتبرا أولى القطاعات التي تصدرت واجهة اهتمام الحكومات من لدن الاستقلال إلى يوم الناس هذا، ولطالما شُبّها بالفيل الضخم الذي يستحوذ على واجهة الأحداث لكن اليوم في ظل صراع الديناصورات نرى أن الفيلة تتساقط دون أن يُلتفت إلى سقوطها، نعم إن انشغال الناس بالانتخابات التي لا تعدو كونها وسيلة قد أخفت حقيقة الوباء وجعل الحديث عن الدخول المدرسي حديثا باهتا في ظل أفق غير واضح المعالم للحديث عن تلقيح التلاميذ، والقارئ لبلاغ وزارة التربية الوطنية بشأن هذا الأمر يقف مذهولا متعجبا من حالات التملص الممنهج من أي مسؤولية تجاه المواطنين الآباء في جميع الجوانب التي تطرقها هذه القرارات، بل أرى أن تسميتها بالقرارات لا تخلو من تجوز وإلا فهي لم تتجاوز كونها إعلانات لأن المتتبع لها لا يكاد يقف على حقيقة مسمى القرار فيها حيث تستطيع أن تستشف وضوح الرؤية لدى الوزارة بخصوص هذه القضايا العالقة والشائكة والمصيرية للأسف لأنها تتعلق بحياة التلاميذ وآبائهم،وإلا ما ذا نفهم من حضور مصطلح الاختيار في كل بلاغاتها، تلقيح المتمدرسين يبقى اختياريا للآباء، التعليم وفق نمط حضوري أو بالتناوب أو عن بعد يبقى اختياريا للآباء، في الحقيقة أعياني البحث عن جانب المنطق في هذه البلاغات لكن دون جدوى، إذا كانت النجاة والسلامة في تلقيح التلاميذ فلم يترك الأمر لاختيار الآباء وفئة عريضة منهم غير قادرة على تلمس الصواب من غيره في هذا الشأن؟ ثم إذا سلمنا بان الاختيار تم اقتراحه احتراما لرغبة الآباء فما هو مصير التلاميذ الذين سيختار آباؤهم عدم تلقيحهم؟ ثم هؤلاء التلاميذ الملقحين الذين سيخالطون غير الملقحين والذين سيكون منهم المصاب حامل الفيروس ولاشك،ألن ينقلوه إلى آبائهم؟ ألن يكون التلاميذ بمثابة القنابل الموقوتة في وجوه أسرهم؟

إن جعل الكرة في ملعب الآباء لاختيار الأصلح في التلقيح وعدمه، وفي اختيار النمط الحضوري أو عن بعد هو دليل ضياع البوصلة للجهة القائمة على قطاع التعليم، مع العلم أن هذه المقاربة لن تزيل المسؤولية عن أصحابها إذا ما تدهورت الحالة الوبائية من جديد بعد التحاق التلاميذ بالمؤسسات وفق النمط الحضوري الذي سيختاره الآباء ولاشك، يدل على ذلك واقع فئة عريضة من الآباء أنفسهم في تعاطيهم مع الإجراءات الاحترازية التي فيها سلامتهم، كيف يُعهد إلى شخص غير قادر إلى الآن أن يستوعب دور الكمامة في حمايته من الموت أن يختار الأوفق والأسلم لأبنائه ؟

إن حقيقة الأبوة والأمومة والخوف على فلذات الأكباد للأسف صهرته معاناة تدبير الأزمات في البيوت، لأجل ذلك أقول بأن التملص من مسؤولية الإفصاح عن قرار واضح وصريح بخصوص ضرورة اعتماد نمط التعليم عن بعد، يعتبر خيانة كبيرة للمغاربة، وتغريرا بهم، إن لم نعتبرها تآمرا مُبيّتا مع الجهات المستفيدة من التعليم الحضوري التي هي القطاع الخاص، وما أخال وزارة التربية الوطنية مستعدة لتحمل تبعات وتداعيات قرار التخيير الذي وضعته بين أيدي الآباء في حالة تفشي البؤر الوبائية و ظهور انتكاسة وبائية جراء هذا الاختيارلكن ليس الوقت وقت مجاملة لقطاع من القطاعات فالجميع تضرر جراء تداعيات الوباء، وعلى الوزارة الوصية أن تكون شجاعة لاتخاذ القرار الصائب المسؤول بكل جرأة ووضوح، وهذا هو صوت العقل والمنطق، فإما أن الوزارة تضمن سلامة التلاميذ وأسرهم فنيمم وجهنا جميعا جهة التعليم الحضوري، وإما أن الخطر لا زال قائما فنعتمد التعليم عن بعد، أما هذا التذبذب وهذه الضبابية في رؤية الوزارة فلا تقدم شيئا سوى فقدان الثقة في من أوكل إليهم شأن التربية والتعليم بالبلد وكأن لسان حالهم يقول للمغاربة:

لقد ذهب الحمار بأم عمرو …….. فلا رجعت ولا رجع الحمارُ




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


2 + 8 =