دوار “رحى” بضواحي مراكش .. واقع معيشي يغرد خارج التوجيهات الملكية السامية

بقلم الأستاذ محمد اوسامة

​تشكل كرامة المواطن المغربي وتوفير السكن اللائق له ركيزة أساسية لا محيد عنها في الرؤية الملكية المتبصرة. فقد أكد جلالة الملك محمد السادس، في محطات وخطابات متعددة، أن السكن الكريم ليس مجرد جدران وأسقف، بل هو شرط أساسي ومحوري لصون إنسانية المواطن وتحقيق العدالة الاجتماعية. غير أن المفارقة الصارخة والصادمة تتجلى عندما تكتشف أن هذا التوجه الاستراتيجي يصطدم بجرير واقع مرير على بعد كيلومترات قليلة من واحدة من أكبر الحواضر السياحية بالمملكة.
​على بعد 20 كيلومترا فقط من مدينة مراكش، وأنت تسلك الطريق الحيوية المؤدية إلى منتجع “أوريكا”، يقع دوار “رحى”. هنا، تنتهي الوعود وتبدأ فصول معاناة يومية لساكنة تجد نفسها تعيش خارج سياق هذا التوجه الملكي الطموح، في بيئة تنعدم فيها أبسط مقومات العيش الآدمي.

​إن زيارة ميدانية خاطفة لدوار “رحى” كفيلة برسم صورة قاتمة عن “الحقيقة الصحفية” التي يحاول البعض غض الطرف عنها. فالأزبال والنفايات باتت تؤثث المشهد العام في غياب شبه تام لخدمات النظافة وجمع النفايات الصلبة، مما حول أزقة الدوار إلى بؤر بيئية سوداء تنبعث منها الروائح الكريهة وتتجمع حولها الحشرات والكلاب الضالة، مهددة الصحة العامة للساكنة وأطفالهم.
​وما يزيد الطين بلة، والوضع قتامة، هو الانعدام الكلي لشبكة التطهير السائل (قنوات الصرف الصحي). أمام هذا العجز البنيوي، اضطر المواطنون إلى تصريف مياههم العادمة بشكل عشوائي في الشوارع والأزقة الضيقة. تحولت الطرقات إلى مستنقعات آسنة وجداول للمياه الملوثة التي تخترق عتبات البيوت، مما يشكل خطرا حقيقيا ومباشرا على الفرشة المائية وعلى السلامة الصحية للمواطنين الذين يواجهون شبح الأمراض والأوبئة على مدار الساعة.

​ومع حلول فصل الصيف اللاهب، وتجاوز درجات الحرارة حاجز الأربعين درجة في هذه المنطقة الشبه جافة، تكتمل فصول المأساة. ففي الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى الطاقة الكهربائية لتشغيل وسائل التبريد البسيطة والحفاظ على المواد الغذائية والأدوية، تعيش الساكنة ويلات انقطاعات متكررة وضعف شديد في التيار الكهربائي. هبوط الجهد الكهربائي المستمر لا يحرم العائلات من الإضاءة والتبريد فحسب، بل يتسبب في إتلاف الأجهزة الإلكترونية والمنزلية البسيطة التي كد المواطنون لسنوات من أجل اقتنائها، ليجدوا أنفسهم في عز الحر الشديد يواجهون جحيما يوميا لا يطاق.

​إن “المناسبة شرط” كما يقال، ونحن نعيش على إيقاع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث سيعود “فرسان الصناديق” لطرق الأبواب وتوزيع الوعود الوردية.
​هنا يجب وضع الأصابع على مكمن الداء وبناء الحقيقة بكل جلاء: إن المجالس المنتخبة بجماعة “سيدي عبد الله غيات” – التي يقع دوار “رحى” تحت نفوذها الترابي – تتحمل بجميع مكوناتها، أغلبيتها ومعارضتها، المسؤولية السياسية والأخلاقية الكاملة عما آلت إليه الأوضاع في هذا الدوار.
​إن صمت المنتخبين وتقاعسهم عن الترافع الحقيقي وجلب المشاريع التنموية الأساسية، وترك الساكنة تواجه مصيرها المعزول وسط التهميش، يمثل إخلالا صريحا بالأمانة والتعاقد السياسي الذي يربطهم بالمواطنين. لا يمكن للاعتبارات السياسوية أو الصراعات الضيقة داخل ردهات المجلس الجماعي أن تكون مبررا لحرمان المغاربة من حقهم الدستوري في بيئة سليمة وسكن يحفظ كرامتهم.
​إن ساكنة دوار “رحى” لا تطلب ترفا، بل تطالب برفع التهميش وتنزيل الإرادة الملكية السامية على أرض واقعهم. والكرة اليوم في مرمى مدبري الشأن المحلي والإقليمي لإخراج هذا الدوار من “زاوية النسيان” قبل أن تتحول هذه المؤشرات المقلقة إلى كارثة بيئية واجتماعية حتمية.




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


35 − = 29