الدكتور رضوان غنيمي : أنتم الفقراء إلى الله..

 

بقلم الدكتور رضوان غنيمي أستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر كلية العلوم الشرعية بالسمارة

عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )

قد تأتي علينا لحظات نحتاج حقيقة فيها إلى من يذكرنا بحقيقة ضعفنا وافتقارنا إلى الله عز وجل مهما بلغت قوتنا، علمنا، ثروتنا، سلطتنا، كل ذلك ينهار أمام حقيقة الفقر الذاتي فينا، أيها القارئ الكريم لايخالف منصف أن فقر الإنسان ذاتي، كما أن غنى الله ذاتي، قال تعالى: “يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني”.

لأجل ذلك فالله يُرجى على كل حال، والمخلوقات محتاجة إليه في كل حال، قد تمتلك الدنيا بما فيها لكنك عاجز عن ردّ نوائب الدهر وتصاريف الأقدار، عاجز عن دفع الموت عن نفسك، والمرض عن أحبائك، لأجل ذلك لم يكن الغنى على تحقيق القول وصفا يرقى به الإنسان، نعم قد يكون وصف تمييز وتفريق لكنه أبد لن يكون وصف تفضيل، لأن معيار التفضيل كما أقره الغني الحقيقي هو التقوى فقال سبحانه” إن أكرمكم عند الله أتقاكم” .

لقد جاءت جائحة كورونا لتصحح للناس مفاهيم الحياة، فألغت صفة الغنى من الاعتبارات التي استحدثها الإنسان بجهله وجشعه وقصر نظره  ليقعد الجميع في صعيد واحد وقد أظهروا افتقارهم إلى الله تعالى .

إن افتقارنا إلى الله منقسم على الإجمال إلى قسمين:

1  ــ فقر اضطرار وهذا ملتصق بالإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عما يمتلك، ودونما اعتبار لعقيدته، وهو المتعلق بحاجته إلى الصحة والمعافاة والرزق…

2- فقر اختيار وهو المتعلق بحاجة المؤمن إلى رحمة الله، عفو الله، مغفرة الله، توفيق الله… قبل استشعار حاجة الضيق التي قد تلجئه إلى فقر الاضطرار، قال صلى الله عليه وسلم: ” تعرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة” .

إن من تمام غفلة الناس واغترارهم بمظاهر ما هم عليه، أن يفاخر بعضهم بعضا أيام الرخاء، ولعل ما أصابنا من شدة يحملنا على مراجعة مواقفنا، وترتيب أوراقنا، لنعلم عين اليقين أنه لا كبير إلا الله، ولا غني إلا الله، ولا قوي إلا الله، كن من شئت عالما، عابدا، غنيا، قويا، ظالما،… أنت في نهاية المطاف مجرد عبد لله إن شئت اختيارا وإلا فاضطرارا.

إن من مِنَحِ ونِعَم نقمة وباء كورونا أن أتاحت لنا فرص سماع أصوات بداخلنا لطالما ارتفعت تنبهنا وتوجهنا، لكن كان صوت صوارف الحياة ومشاغلها يعلو فوقها، حتى طرقنا هذا الذي جعلنا ننظر إلى بعضنا البعض بمنظار واحد، فأدركنا أننا جميعا في سلة واحدة، ولطالما كنا كذلك، و إنما هي أدوارنا في الحياة تختلف استجابة لحكمة وقضاء الله عز وجل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. لا يعلمون حقيقة عظمة الخالق، ولا يعلمون حقيقة ضعف المخلوق، لأن حقيقة الافتقار إلى الله لا تتحقق إلا بإدراك هاتين الحقيقتين.

رفع الله عنا الوباء وأبعد البلاء إنه ولي ذلك والقادر عليه .




قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


75 − = 74